ما يحدث في هذه المدينة غير ما يحدث في أية مدينة أخرى، داخلية أو خارجية، ولعل هذا هو السر الذي لم نفطن إليه حين أطلقوا عليها «جدة غير».. مدينة أطلقوا عليها أوصافا أخرى لا يصح منها سوى وصف حقيقي واحد هو أنها «غير» في مأساتها المزمنة..
اختلفوا كثيرا هل ينطق اسمها بالضم أم بالكسر، ولم يهتموا بمن يكسرون عظامها ومفاصلها.. منحوها لقب العروس ولم يهتموا كثيرا بالحال المزري الذي تبدو به هذه العروس التي شاخت وتهدلت ملامحها..
أقول إن ما يحدث فيها غير لأن ما صرف عليها غير ما صرف على مدن أخرى مشابهة لها في الظروف والاتساع والبيئة.. مليارات لا حصر لها تتدفق في ميزانيات أجهزتها منذ زمن طويل وهي إلى الأسوأ دائما، أليس هذا «غير» بالفعل ؟؟..
إنها مدينة لا تقع على ضفاف نهر عظيم لكي تكون مهددة باجتياحه لها في أية لحظة. مدينة لا تقع تحت مصبات الشلالات الهادرة التي يمكن أن تطمرها بالماء في دقيقة أو أقل.. هي مدينة ساحلية مثل مئات المدن غيرها، لكن لا تشبهها أي من تلك المدن في تعاستها وخيبتها..
من المخجل والمحزن جدا أن نشاهد مدنا أكبر منها في بلاد الله، لا يصرف في ميزانيتها أقل القليل مما يصرف في جدة، ومع ذلك تهطل الأمطار هناك على مدار الساعة بينما الحياة تسير بشكل طبيعي، لا غرقى ولا انهيارات ولا موت لكل شرايين الحياة.. مدن أخرى في بعض البلدان التي تعتمد ميزانياتها كثيرا على مساعداتنا تسير الحياة فيها بشكل لائق رغم كل تقلبات الطقس، وهذه الـ «جدة» تتحول إلى حطام بعد فترة قصيرة جدا من المطر.. أليس هذا غير طبيعي أبدا ؟؟..
ما حدث يوم الأربعاء الماضي في جدة ليس مفاجأة كبيرة، قد يكون صورة أسوأ لما حدث في مرات سابقة ولكنه متوقع طالما كل شيء يسير فيها بهذا الإهمال واللامبالاة وعدم محاسبة كل من تسبب فيه سابقا ولاحقا..
القول بأن جدة لم تكن تحظى بما يكفيها من ميزانيات لإنهاء مآسيها قول فيه الكثير من عدم الدقة والتجاوز للحقيقة، المسألة نسبية إن كنا نريد الحديث بتجرد، فالمليار هنا يتحدثون عنه وكأنه ألف ريال أو مليون في أحسن الأحوال، ومع ذلك فإن الدولة قد أعطت هذه المدينة مليارات تكفي لإنشاء مدن جديدة مثلها.. المشكلة ليست في المال ولكن في سوء إدارة المال، وعدم محاسبة المقصرين كما يجب..
جدة يا إخواننا وأخواتنا ليست سوى صورة مكبرة لنتائج الفساد المزمن الذي لا يسأل عنه أحد، فهل نحلم بيوم ينتهي فيه مسلسل جدة الرديء، وغيره من المسلسلات المشابهة ؟؟؟..
habutalib@hotmail.com