إخلاء.. إيواء.. نزوح.. مفردات لا يعرفها مجتمعنا؛ لأنه لم يمر بتجربتها، ولا يدرك معانيها الحقيقية لأنه لم يعايشها .. يسمع بها في أخبار مناطق الحروب والكوارث الطبيعية، ويشاهد صورها في وسائل الإعلام، لكن هناك فرقا بين الأخبار والصور ومعايشة الواقع. الآن بعد اضطرارنا للدخول في مواجهات عسكرية لحماية حدودنا وتطهيرها من العصابات المسلحة المعتدية بدأنا نتداول تلك المفردات، وأصبحت ضمن حديثنا اليومي بعد إنشاء مخيمات للنازحين من القرى الواقعة في مواقع المواجهة.
في محافظة أحد المسارحة بمنطقة جازان يوجد الآن أكبر تجمع عرفته بلادنا لمجبرين على ترك منازلهم لحمايتهم من الخطر، الأسباب كانت مفاجئة ومع ذلك تم إعداد وتجهيز موقع الإيواء بسرعة قياسية، ومع توفر كل المتطلبات الأساسية التي يحتاجها النازحون في الموقع إلا أننا ندرك ونقدر حدوث النقص في جانب أو آخر؛ لضغط الوقت وعنصر المفاجأة، كما أنه لا يمكن لمخيم إيواء مؤقت أن يتوفر فيه كل ما يتوفر للشخص في منزله، بيد أنه من الضروري أن تتلمس كل الجهات المسؤولة مدى قيامها بواجباتها والوفاء بمسؤوليتها على أكمل وجه، وتحرص على تقديم أفضل ما تتيحه إمكانات الدولة المخصصة لهذا الظرف.
نظافة الموقع والبيئة الصحية وتوفر الغذاء والكساء ووسائل الترفيه الممكنة للأطفال والحراسة اليقظة أمور مهمة لا يجب أن يتدنى مستواها، لكن هناك جانبا آخر في غاية الأهمية لا يجب نسيانه، هو الجانب النفسي، إن النزوح القسري المفاجيء من مكان يمثل للإنسان خصوصيته وحياته وذكرياته وتأريخه يشكل صدمة عنيفة للكبير والصغير، صدمة تربك التوازن النفسي وتنعكس في أكثر من صورة وشكل. قد يدخل الشخص في حالة من الاكتئاب الشديد أو القلق والأرق أو الإنطواء، وربما يعاني من إضطراب السلوك والتعامل مع الغير، وأحيانا قد تداهمه نوبات عنف لأبسط المحفزات قد تكون مؤذية، أما الأطفال فإنه حتى لو لم يكن ظاهرا عليهم بشكل واضح فإن ظروفا كهذه تؤثر عليهم بدرجة أشد، وتظل ذاكرتهم محتفظة بها لتؤثر على صحتهم النفسية مستقبلا.
وفي جانب آخر، فإن تواجد خليط كبير من الكبار والصغار والنساء والشباب في وضع كهذا قد تنتج عنه بعض المتاعب والمشاكل الاجتماعية المختلفة، ربما تتكاثر إذا طال الوقت.
إنه تجمع كبير في ظروف غير طبيعية، إذا وفرنا له حاجات المعيشة فلا يجب أن نهمل العناية بالجانب النفسي والاجتماعي لأن تبعاته على المدى الطويل أهم وأخطر.

habutalib@hotmail.com

للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 259 مسافة ثم الرسالة