في كثير من الدول يدخل أبناء المسؤولين والذوات الكليات العسكرية من قبيل البريستيج فقط، إذ نادرا ما يعملون في هذا المجال بعد تخرجهم. مجرد شهادة تضاف إلى السيرة الذاتية للاستهلاك الإعلامي.
في المستشفى الذي يستقبل المصابين من جنودنا في المواجهات على الحدود دخل ضابط شاب كل ما فيه يشي بأنه ابن الميدان حقا، جاء ليزور المصابين ويتفقدهم دون هالة وضجيج. وهو في طريق خروجه بعد الزيارة صادف وجود مسؤول عسكري أعلى منه رتبة فأدى له التحية العسكرية وسلم عليه ثم غادر.
في المساء كان أمير منطقة جازان يجتمع بالمسؤولين تباعا بعد أن حول مقره إلى ورشة عمل على مدار ساعات الليل والنهار، وحين قمنا لتناول العشاء برفقة وزير الصحة شاهدت ضابطين يصر كل منهما على أن يتقدمه الآخر في الدخول، لكن أحدهما حسم الأمر بإصراره على أن يتقدمه زميله الأكبر منه سنا والأقدم عملا.
باختصار، كان ذلك الضابط الذي زار المستشفى والآخر الذي أصر على أن يسبقه زميله من أحفاد الملك عبد العزيز (رحمه الله)، صقلتهما التربية الفاضلة والأخلاق الحميدة، وتشربا قيم العمل من الممارسة الفعلية لما تعلماه في الكليات العسكرية. لم يعلقا شهادتيهما في صالون الاستقبال ويمارسا عملا آخر لا علاقة له بما تعلماه، بل جاءا كغيرهما من جنود الوطن لتأدية الواجب.. وعلى مائدة العشاء لمحت مسؤولين عسكريين ومدنيين من كل منطقة في المملكة، كما هو حال المرابطين على الجبهة، كلهم في مهمة واحدة هي الدفاع عن الوطن.. هذه المشاهد جعلتني أتأمل كم هو جميل ومنيع هذا الوطن حين ينصهر الكل في بوتقته، وحين يقف أبناؤه من كل مكان دون تمايزات للذود عنه.
وفي صورة جميلة أخرى، حدثني محافظ صامطة الأستاذ سلطان السديري عن المواطنين الذين جاؤوا ليقدموا مفاتيح منازلهم ومستودعاتهم وعقاراتهم لتكون تحت تصرف المحافظة لكل من يحتاجها من الأسر التي أخليت قراها لوجودها في خط المواجهة. وزادت غبطته حين أخبرته أنني تلقيت أكثر من اتصال ورسالة من مواطنين يؤكدون جاهزيتهم لتقديم كل ما هو متوافر لديهم من دعم لإخوانهم كواجب وطني يتوقون للتشرف به، ويحملونني أمانة إيصال هذا الاستعداد للمسؤولين.. وقد علمنا أن بعض المتقاعدين من السلك العسكري من أبناء المنطقة هبوا إلى الجهات المسؤولة يرغبون المشاركة في أداء الواجب بدافع ذاتي يؤججه الشعور بقيمة الوطن ومعناه.
هذه لقطات لمواقف لا حصر لها حدثت خلال الأيام الماضية، تؤكد أن وطنا كهذا ليس سهلا اختراقه أو النيل منه.
habutalib@hotmail.com

للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 259 مسافة ثم الرسالة