في المقال السابق تناولنا الخلفية التاريخية للبرامج الحكومية والاستخباراتية الأمريكية في مجال أبحاث وتجارب غسيل الدماغ لدراسة إمكانية خلق شخصية بديلة للإنسان مجردة عن وعيه وإرادته للتحكم بها لأغراض استخباراتية، وأنه في 3 أكتوبر 1995 قدم الرئيس كلينتون اعتذارا علنيا للآلاف من ضحايا تلك البرامج السرية، لكن وحسب رأي البعض فتلك البرامج قد بعثت للحياة من جديد في جوانتنامو على الأقل، ومع أني لا أؤمن بنظريات المؤامرة، لكن السؤال المحير حول الغاية من معسكر جوانتنامو الغريب وكل ما يحدث فيه من ممارسات غريبة هو الذي يجبرنا على البحث في تلك الآفاق، فحتى القائمون على جوانتنامو يصرحون أن نسبة كبيرة من المعتقلين أبرياء ومن بين المئات اتهم عشرة فقط علاوة على وجود قسم خاص للمعتقلين الأطفال «معسكر الاجوانة» وفيه أطفال من عمر عشر سنوات «التايم» وهم حوالى الستين، فهل هؤلاء أيضا إرهابيون! وقد صرح بعض محامي المعتقلين أن موكليهم لا يتعرضون للاستجواب إنما لجلسات إكراه لإجبارهم بشكل صريح على العمل كمخبرين سريين على أوطانهم، أو بشكل غير صريح عبر تقنيات برامج غسيل الدماغ التقليدية، والتي تتميز بعنصرين رئيسيين: العقاقير المخدرة والمهلوسة التي تحدث تشويشا إدراكيا لدى الإنسان وتخل بتوازنه العقلي، وقد صرح المعتقلون المفرج عنهم أنهم حقنوا بتلك العقاقير باستمرار، ولهذا كانوا ينقلون على تلك الحمالات الخشبية الشهيرة، والعنصر الثاني: هو تحطيم البناء النفسي والقيمي للإنسان الذي يمثل أكبر عائق أمام تحوله لعميل مطيع، وذلك عبر الإهانة الجنسية والأخلاقية والتشويش النفسي الذي يتولد عن التعذيب والحرمان الحسي كما في الصور التي ظهر فيها المعتقلون مكممي الأفواه والعيون والآذن أو مقيدين في أقفاصهم مع إضاءة باهرة وأصوات صاخبة، الأمر الذي دفع الكثيرين للجنون فافتتح قسم خاص في المعتقل للأمراض العقلية، وشهد البروفيسور ماهر عزمي -محامي لأحد المعتقلين- بأن من ضمن التقنيات الغريبة التي يتعرضون لها والتي لا تفسير لها إلا في تقنيات غسيل الدماغ أنه يعرض على المعتقل صورة تلفون ويسأله المحققون النفسيون مرارا عن ماهيته وعندما يجيب بأنه تلفون يعاقب ويقال له أنه قنبلة «النيويوركر»، وبالنسبة للغاية من احتجاز الأطفال، ففي مارس 1995 وأمام اللجنة الرئاسية للتحقيق في التجارب الإشعاعية على المواطنين شهد اثنان من مرضى الدكتورة «فاليري وولف» التي أشرفت على علاج أشخاص تعرضوا وهم أطفال لممارسات تشبه التي رأيناها في جوانتنامو وأبوغريب، فقالت (كريستين دي نيكولا) وكانت حينها في الثامنة أنه كان معها أطفال كثيرون وكانت الغاية تحويلهم لعملاء مبرمجين. ونختم بشهادة للدكتور جورج استابروكس رئيس قسم علم النفس في جامعة كولجات ومشارك في برامج غسيل الأدمغة في مقال شهير1971 تحدث فيه عن تجاربه والاستعمالات المختلفة للعملاء المبرمجين الذين صنعهم، ومنها تجربة خلق مرض انفصام الشخصية :(تم تحت رقابة استخبارات البحرية الأمريكية عمل فصم لشخصية ملازم أول اسميه جونز إلى جونز أ وجونز ب، وتم تدريب جونز أ ليكون شخصية شيوعية مخلصة بينما جونز ب يمثل شخصية الملازم الأصلية كأمريكي مخلص، وتمت برمجة جونز ب على التزام الصمت والتجسس على جونز أ الشيوعي، وتم تسريحه من البحرية بشكل مُخْزٍ لتكتمل الحيلة وهكذا اخترق الخلايا الشيوعية في أمريكا وهو نفسه يحسب أنه شيوعي، وعند اجتماعه بالدكتور استابروكس كان الأخير يقوم بتنويمه وسؤال جونز ب الأمريكي المخلص عن ما يحمله من معلومات عن جونز أ الشيوعي ونشاطات الخلايا التي هو عضو فيها).
bushra_sbe@hotmail.com