عبدالجبار ابو غربية (عمان)
اختتمت في عمان أمس الاول أعمال الدورة السابعة عشرة لمجمع الفقه الإسلامي والتي شارك في أعمالها علماء ومفكرون بارزون من 44 دولة إسلامية .وبحث المشاركون في الدورة عددا من الموضوعات الهامة التي تتعلق بموقف الاسلام من الغلو والتطرف والارهاب والافتاء شروطه وادابه،
الدورة درست ايضا علاقات الدولة الاسلامية بغيرها من الدول وبالمواثيق الدولية كما قدموا اوراق بحث حول الاسلام والامة الواحدة والمذاهب العقدية والفقهية والتوفيق بين التقيد بالثوابت وبين مقتضيات المواطنة للمسلمين خارج ديارهم والنظر في صكوك المشاركة بأنواعها واوضاع المرأة ودورها الاجتماعي من منظور اسلامي والضوابط الشرعية للبحوث الطبية البيولوجية واحكام مرضى السكري والصيام.
وقرر المجتمعون، في ختام أعمال الدورة أن البحوث التي أُعدت في هذا الموضوع تتفق كلها على القواعد الأساسية العامة للإسلام وتعتبر المذاهب العقدية والفقهية والتربوية اجتهادات لعلماء الإسلام قصد تيسيرالعمل به وهي تتجه كلها إلى بناء وحدة الأمة وإثرائها فكراً وتحقيقاً لرسالة الإسلام الخالدة وتتلاقى بحوث هذا الموضوع مع الدراسات التي قدمت مضامين (رسالة عمّان) المشتملة على بيان وتوضيح حقيقة الإسلام ودوره في المجتمع المعاصر وهي تستحق التقدير والإشادة بجهود جلالة الملك عبد الله الثاني في تبنيها والتعريف بها على نطاق عالمي واسع .
وتأكيد القرارات الصادرة عن المؤتمر الإسلامي الدولي الذي عقد في عمان تحت عنوان(حقيقة الإسلام ودوره في المجتمع المعاصر) للتوافق بينها وبين ما اشتملت عليه الأبحاث والمناقشات في الموضوع وقد أشارت ديباجة هذه القرارات إلى الفتاوى والقرارات الصادرة من هيئات الفتوى وكبار العلماء في المذاهب المتعددة بتأييد تلك القرارات وهي :-
إنّ كل من يتبع أحد المذاهب الأربعة من أهل السُنة والجماعة(الحنفي،والمالكي ،والشافعي،والحنبلي)والمذهب الجعفري،والمذهب الزيدي،والمذهب الإباضي،والمذهب الظاهري،هو مسلم،ولا يجوز تكفيره ويحرم دمه وعرضه وماله وأيضاً،ووفقاً لما جاء في فتوى شيخ الأزهر،لا يجوز تكفير أصحاب العقيدة الأشعرية، ومن يمارس التصوّف الحقيقي وكذلك لا يجوز تكفير أصحاب الفكر السلفي الصحيح .
كما لا يحوز تكفير أي فئة من المسلمين تؤمن بالله سبحانه وتعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم وأركان الإيمان ، وأركان الإسلام ، ولا تنكر معلوماً من الدين بالضروره.
إنّ ما يجمع بين المذاهب أكثر بكثير مما بينها من الاختلاف فأصحاب المذاهب الثمانية متفقون على المبادئ الأساسية للإسلام فكلّهم يؤمنون بالله سبحانه وتعالى ، واحداً أحداً ، وبأنّ القرآن الكريم كلام الله المنزَّل المحفوظ من الله سبحانه والمصون عن التحريف ، وبسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام نبياً ورسولاً للبشرية كافّة وكلّهم متفقون على أركان الإسلام الخمسة : الشهادتين ، والصلاة ، والزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ، وعلى أركان الإيمان : الإيمان بالله ، وملائكته ، وكُتبه ، ورُسله ، واليوم الآخر ، وبالقدر خيرّه وشرّه ..واختلاف العلماء من أتباع المذاهب هو اختلاف في الفروع وبعض الأصول ، وهو رحمة وقديماً قيل..إنّ اختلاف العلماء في الرأي رحمة واسعه.
إنّ الاعتراف بالمذاهب في الإسلام يعني الالتزام بمنهجية معينة في الفتاوى: فلا يجوز لأحد أن يتصدّى للإفتاء دون مؤهلات علمية معينة ، ولا يجوز الإفتاء دون التقيد بمنهجية المذاهب ، ولا يجوز لأحد أن يدّعي الاجتهاد ويستحدث رأياً جديداً أو يقدّم فتاوى مرفوضة تُخرج المسلمين عن قواعد الشريعة وثوابتها وما استقرَّ من مذاهبها .
إنّ لُبّ موضوع رسالة عمّان التي صدرت في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك من عام 1425 للهجرة وقُرئت في مسجد الهاشميين ، هو الالتزام بالمذاهب وبمنهجيتها ؛ فالاعتراف بالمذاهب والتأكيد على الحوار والالتقاء بينها هو الذي يضمن الاعتدال والوسطية، والتسامح والرحمة ، ومحاورة الآخرين .
إننا ندعو إلى نبذ الخلاف بين المسلمين وإلى توحيد كلمتهم ، ومواقفهم ، وإلى التأكيد على احترام بعضهم لبعض ، وإلى تعزيز التضامن بين شعوبهم ودولهم ، وإلى تقوية روابط الأخوة التي تجمعهم على التحابّ في الله ، وألاّ يتركوا مجالاً للفتنة وللتدخّل بينهم .
فالله سبحانه يقول: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ |الحجرات:10» .
يؤكد المشاركون في المؤتمر الإسلامي الدولي،وهم يجتمعون في عمّان على مقربة من المسجد الأقصى المبارك والأراضي الفلسطينية المحتلة ، على ضرورة بذل كلّ الجهود لحماية المسجد الأقصى،أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين،في وجه ما يتعرض له من أخطار واعتداءات ، وذلك بإنهاء الاحتلال وتحرير المقدسات وكذلك ضرورة المحافظة على العتبات المقدسة في العراق وغيره .
يؤكد المشاركون على ضرورة تعميق معاني الحرية واحترام الرأي والرأي الآخر في رحاب عالمنا الإسلامي والحمد لله وحده .كما قرر المجتمعون تأكيد قرار المجمع بشأن الوحدة الإسلامية والتوصيات الملحقة به وتفعيل الآليات المطروحة فيه لتحقيق الوحدة الإسلامية والتي ختمت بالطلب من أمانة المجمع لتكوين لجنة من أعضائه وخبرائه يعتمد تشكيلها ومهامها من منظمة المؤتمر الإسلامي ، لوضع دراسة عملية قابلة للتطبيق ووضع آليات تحقيق الوحدة في المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ووضع قواعد عامة للقضايا المتفق عليها وإبرازها ، وحصر قضايا الاختلاف وردّها إلى الأصول الشرعية التي تستند إليها ، وعرض المذاهب بأمانة دون تحيز ، في إطار تعظيم الجوامع واحترام الفروق وعند الترجيح يراعى ما هو أقوى دليلاً وأكثر تحقيقاً للمقاصد الشرعية ، دون تقديم المذهب الذي ينتمي إليه الباحث أو يسود في بعض البلاد أو المجتمعات
واكدوا على ضرورة تعليم الدارسين في الجامعات والثانويات فقه الوحدة الإسلامية وأدب الخلاف والمناظرة الهادفة وأهمها عدم الانتقاص من الآراء الأخرى عند اختيار رأي ما وإحياء المذاهب التربوية ( الصوفية ) الملتزمة بمقتضى الكتاب والسُنة باعتبارها وسائل لتخفيف النزعة المادية الغالبة في هذه العصور ، وللحماية من الاغترار بالمناهج السلوكية الطارئة المتجاهلة للمبادئ الإسلامية وقيام علماء المذاهب بأنواعها بالتوعية بمنهج الاعتدال والوسطية بشتى الوسائل العملية من لقاءات بينية ، وندوات علمية متخصصة،ومؤتمرات عامة،مع الاستفادة من المؤسسات المعنية بالتقريب بين المذاهب،بغرض تصحيح النظرة إلى المذاهب العقدية والفقهية والتربوية،باعتبارها مناهج متنوعة لتطبيق مبادئ الإسلام وأحكامه ، ولأنّ الاختلاف بينها اختلاف تنوع وتكامل وليس اختلاف تضاد ، وضرورة تعميم المعرفة بها وبخصائصها ومزاياها والاهتمام بأدبياتها .واجمعوا على إنّ احترام المذاهب لا يحول دون النقد الهادف الذي يراد به توسيع نقاط الالتقاء،وتضييق نقاط الاختلاف ولا بد من إتاحة فرص الحوار البناء بين المذاهب الإسلامية في ضوء كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك لتعزيز وحدة المسلمين ويجب التصدي للمذاهب والاتجاهات الفكرية المعاصرة التي تتعارض مع مقتضيات الكتاب والسُنة، فكما لا يسوغ الإفراط لا يجوز التفريط بقبول كلّ دعوة ولو كانت مريبة ، ولا بد من إبراز الضوابط للحفاظ على استحقاق اسم الإسلام والتأكيد على عدم مسؤولية المذاهب العقدية والفقهية والتربوية عن أي ممارسات خاطئة تُرتكب باسمها من قتل للأبرياء وهتك للأعراض وإتلاف للأموال والممتلكات .
واوصى المشاركون بعقد ندوات ولقاءات تهدف إلى معالجة الأسباب التي تكمن وراء تحول المذاهب - بأنواعها - إلى التنافر بين المنتمين إليها ، بحيث يخشى مِن أن تتحول إلى عوامل تفريق للأمة، وذلك بإعادة بحث مقولات أو مستندات أُسيء فهمها أو تطبيقها أو الدعوة إليها، ومن ذلك مسألة الولاء والبراء وديث الفرقة الناجية ، وما بُني عليه من نتائج وضوابط التكفير والتفسيق والتبديع دون غلوّ أو تفريط والحكم بالردة ، وشروط تطبيق حدّها والتوسع في الكبائر وما يترتب على الوصف بارتكابها والتكفير لعدم التطبيق الشامل لأحكام الشريعة دون تفصيل بين الأحوال .
كما اوصوا الجهات المعنية في البلاد الإسلامية باتخاذ الإجراءات لمنع طبع أو نشر أو تداول المطبوعات التي تعمّق الفُرقة ، أو تصف بعض المسلمين بالكفر أو الضلال دون مسوغ شرعي متفق عليه وبالاستمرار في تحقيق المرجعية الشاملة للشريعة الإسلامية في جميع القوانين والممارسات، كما بين المجمع في قرارات وتوصيات دوراته السابقه.
واكد المشاركون بدوام التواصل والتنسيق بين هيئات الفتوى في العالم الإسلامي للاطلاع على مستجدات المسائل وحادثات النوازل وأن يكون الإفتاء علماً قائماً بنفسه ، يُدرس في الكليات والمعاهد الشرعية ، ومعاهد إعداد القضاة والأئمة والخطباء .
واوصوا بتعزيز دور العلماء والفقهاء والدعاة والهيئات العلمية العامة والمتخصصة في نشر الوعي لمكافحة الإرهاب، ومعالجة أسبابه ودعوة جميع وسائل الإعلام إلى تحري الدقة في عرض تقاريرها ونقلها للأخبار، وخصوصا في القضايا المتعلقة بالإرهاب ، وتجنب ربط الإرهاب بالإسلام ، لأن الإرهاب وقع - ولا يزال يقع -من بعض أصحاب الديانات والثقافات الأخرى ودعوة المؤسسات العلمية والتعليمية لإبراز الإسلام بصورته المُشرقة التي تدعو إلى قيم التسامح والمحبة والتواصل مع الآخر والتعاون على الخير ودعوة منظمة الأمم المتحدة إلى تكثيف الجهود في منع الإرهاب وتعزيز التعاون الدولي في مكافحته، والعمل على إرساء معايير دولية ثابتة ، للحكم على صور الإرهاب بميزان ومعيار واحد ودعوة دول العالم وحكوماته إلى أن تضع في أولوياتها التعايش السلمي، وأن تتخلى عن احتلال الدول، ونكران حق الشعوب في تقرير المصير، وإلى إقامة العلاقات فيما بينها على أُسس من التكافؤ والسلام والعدل ودعوة الدول الغربية إلى إعادة النظر في مناهجها التعليمية ، وما تضمنته من نظرة مسيئة للدين الإسلامي، ومنع ما يصدر من ممارسات تُسيء إلى الإسلام في وسائل الإعلام المتعددة ، تأكيدا للتعايش السلمي والحوار، ومنعا لثقافة العداء والكراهيه.
واكدوا على اهمية تأسيس مركز معلومات شامل عن أوضاع المسلمين في الدول غير الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي يغطي تركيبتهم الديموغرافية وتاريخهم ومكانتهم في دولهم، وعن أنشطة المنظمات الإسلامية العاملة في نطاقها في إطار مسح شامل لأوضاع المسلمين خارج الدول الإسلاميه .
ويوصي المجمع بالمشاركة الفاعلة في المؤتمرات الدولية التي تعقد بشأن المرأة،وطرح البديل الإسلامي في المسائل الاجتماعية وضرورة التعريف بموقف الإسلام من قضايا المرأة وبخاصة ما يتعلق بحقوقها وواجباتها من المنظور الإسلامي، ونشر ذلك باللغات الحية في جميع أنحاء العالم بهذه الضوابط .
كما يوصي بالاهتمام بدعم البحث والباحثين وذلك بتخصيص ميزانيات كافية، وتهيئة الأجواء المناسبة للباحثين، وتوفير احتياجاتهم العلمية والمادية ليتفرغوا لأداء واجبهم نحو بلدانهم .
واصدر مجمع الفقه الإسلامي الدولي بيانا حول فلسطين والمسجد الأقصى والعراق والصومال جاء فيه..إن مجمع الفقه الإسلامي الدولي وهو يرصد الواقع الأليم الذي يعيشه أهل فلسطين المحتلة من احتلال قاس، وحصار شديد هذا الحصار الذي ازداد عنفاً عقوبة على ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه الطبيعي في اختيار حكومته ومجلسه التشريعي وإن مجمع الفقه الإسلامي الدولي ليدعو دول العالم الإسلامي والعالم أجمع أن يقوموا بواجبهم الحضاري والإنساني في رفع أنواع الظلم والمعاناة عن أهل فلسطين المحتله.
كما يؤكد مجمع الفقه الإسلامي الدولي على بياناته السابقة بشأن القدس، ويؤكد في هذه الدورة بعد اطلاعه على ما صدر من تصريحات عدوانية ومن مخططات ظالمة من قبل المتطرفين والمسئولين اليهود بحق مدينة القدس بعامة والمسجد الأقصى بخاصة على ما يأتي.
ويدعو المجمع الحكام والشعوب في العالم العربي والإسلامي إلى تحمل مسؤوليتهم الدينية والوطنية والتاريخية لدعم الشعب الفلسطيني الشقيق والدفاع عن مدينة القدس المحتلة ومسجدها المبارك، والوقوف إلى جانب أهلها المرابطين وتثبيت وجودهم فيها ودعم مؤسساتها الصحية والتعليمية والتربوية والاجتماعية والإنسانية وغيرها(وذلك للحيلولة دون تهويد المدينة أو تدويلها فإن كلاً من التهويد والتدويل أمر مرفوض لا يقبل بأي حال من الأحوال .
وقال البيان..يعاني العراق الجريح اليوم أزمات خطيرة تُهدد كيانه ووجوده ووحدته، وسيادته، حيث إنه إضافة إلى الاحتلال وما يسببه من معاناة فإن جماعات العنف والإرهاب قد أوغلت في قتل الأبرياء،من النساء والشيوخ والأطفال،وفي تفجير المساجد ودور العبادة ، والأسواق والفساد في الأرض.
ومن هنا فإن مجمع الفقه الإسلامي يدعو إلى إنهاء الاحتلال،ويندد بالعنف والإرهاب، ومحاولة إثارة النزاع الطائفي والتوتر الديني، ويطالب المرجعيات الشيعية والسنية بالتدخل وبذل كل ما في وسعها لإيقاف هذا المسلسل الدامي الخطير الذي لا يخرج منه غالب، بل تعم الفتنة الجميع فتأكل الأخضر واليابس..فإزالة التوتر الديني والنزاع الطائفي هو الأساس لنجاح الحل السياسي واستقراره وتقدمه .
أما بخصوص ما يجري حالياً في الصومال فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي يوجه نداءً إلى الأخوة العقلاء في الصومال رئيساً وحكومة ومحاكم إسلامية وشعباً، داعياً إياهم إلى المصالحة الجادة والفعالة وإلى نبذ العنف والاقتتال،وإلى تغليب المصلحة العليا للشعب الصومالي على المصالح الشخصية، ويناشدهم بأن لا يفوتوا هذه الفرصة السانحة للمصالحة وتوحيد الجهود لاستعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد،ولإعادة إعمار الوطن الذي دمرته الحرب.
وتكتسب الدورة اهميتها من الموضوعات التي تناقشها،وعدد المشاركين فيها من الاعضاء والخبراء من معظم الدول الاسلامية،اضافة الى الظروف الراهنة والتحديات التي تواجهها الامة الاسلامية،وما تحتاجه من مواقف واضحة من قبل علمائها ومفكريها حيال القضايا المطروحة.