في المقال السابق أشرت إلى نظرية يطرحها البعض عن الغاية غير المعلنة من معتقل جوانتانامو وكل ما يحدث فيه من ممارسات غريبة، وحسب شهادات المحامين ومعتقلين سابقين أنه لا يتم حتى التحقيق مع كثير منهم بشكل حقيقي إنما يتعرضون لممارسات وتقنيات تعذيب نفسي وجسدي غير عادية تبدو بحد ذاتها هي الغاية، وهذه النظرية تتعلق بتاريخ الأجهزة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية في برامج غسيل الدماغ والتلاعب بالوعي، ولبيان مدى واقعية هذه النظرية يجب العودة للتاريخ الأمريكي في هذا المجال، ففي 3 أكتوبر 1995 قدم الرئيس الأمريكي كلينتون اعتذارا علنيا لآلاف ضحايا برنامج MKULTRA والبرامج الأخرى التي دعمتها حكومتهم لتجارب غسيل الأدمغة والتلاعب بالوعي، وهي تجارب تشبه أفلام الرعب والخيال العلمي. ففي 1953 دشنت المخابرات الأمريكية برنامج MKULTRA لإجراء الأبحاث والتجارب على إمكانية تكوين شخصية بديلة للإنسان مجردة عن وعيه وإرادته للتحكم بها لأغراض استخباراتية وقيل حينها إنه كان ردا على مزاعم تعرض الأسرى الأمريكيين في الحرب الكورية لغسيل دماغ من قبل السوفيت والصينيين، وقد خلدت هذه الفكرة رواية(المرشح المنشوري)1962 -تحولت لفيلم- وتروي قصة أسير أمريكي تم إخضاعه لعمليات غسيل دماغ وبرمجته لقتل الرئيس الأمريكي بدون وعي منه، والواقع أحيانا أغرب من الخيال فأشهر ثلاثة اغتيالات في القرن الماضي تورط فيها أشخاص كان من ضمن حجج الدفاع في قضاياهم أنهم تعرضوا لعمليات غسيل دماغ وبرمجة فتحولوا «لعملاء منشوريين» فعلو ما طلب منهم بدون وعي، والجهة المسؤولة غير محددة، وهم هارفي أوزولد المتهم بقتل الرئيس كنيدي، سرحان سرحان المتهم بقتل شقيقه روبرت كنيدي، ومحمد آغا المتهم بمحاولة اغتيال البابا، وعزز هذه الفرضية أن «لجنة روكيفيللير» الرئاسية 1975 للتحقيق في ممارسات المخابرات الأمريكية توصلت إلى أن تلك البرامج «خططت لخلق سفاحين مبرمجين» وأن تلك التجارب أجريت على جميع شرائح المجتمع الأمريكي بما فيهم موظفون في الهيئات العسكرية والعلمية والاستخباراتية والنساء والأطفال والجنود والمساجين وأسرى الحرب والمرضى النفسيين والأيتام، وأيضا شكلت «لجنة شورش» 1975 التابعة للكونجرس للتحقيق في هذه النشاطات، وفي مارس 1995 وأمام اللجنة الرئاسية للتحقيق في التجارب الإشعاعية على المواطنين شهدت الدكتورة «فاليري وولف» التي أشرفت على علاج أشخاص تعرضوا وهم أطفال لتجارب غسيل الدماغ والتلاعب بالوعي، حول الممارسات المروعة التي تعرضوا لها والتي تضمنت كل الممارسات التي رأيناها في جوانتانامو و ابوغريب من الاغتصاب والإذلال الجنسي والتصوير إلى الحبس في أقفاص مع تعريضهم لأصوات صاخبة وإضاءة مبهرة وغيره والهدف بزعمهم تحويلهم لعملاء مبرمجين، شهدت بذلك إحدى مريضاتها(كريستين دي نيكولا) وكانت حينها في الثامنة وقالت إنه كان معها أطفال كثيرون، وكانت تلك البرامج تجرب عقاقير مخدرة لم تكن حينها مشهورة مثل LSD وقد تسببت إحدى تلك التجارب في مقتل رجل مهم هو عالم بالكيمياء الحيوية وعامل في برنامج الأسلحة الجرثومية الدكتور فرانك أولسون حيث تم وضع ذلك العقار في مشروبه بدون علمه وأدت مضاعفاته النفسية إلى سقوطه من مبنى وموته، وفي 1975عوضت الحكومة الأمريكية عائلته بمبلغ 750 ألفاً. فإن لم تتورع الحكومة الأمريكية عن إجراء تلك التجارب المروعة على أبنائها وكبار موظفيها فهل تتورع عن استخدامها ضد من تراهم دون المستوى البشري من قبيل معتقلي جوانتانامو و ابوغريب ؟! وفي المقال القادم نتناول تفاصيل التشابه بين التقنيات التي استعملت في تلك البرامج مع ما يحدث في المعتقلات الأمريكية اليوم والغاية منها وأهمية التأكد من حقيقة هذا الأمر.
bushra_sbe@hotmail.com