في عصرنا هذا بات التشكيك في الإيمان جزءاً من هالة الغرور العلمي الذي تتميز به شخصية علماء الغرب (إن للعلم طغياناً) وهب ابن المنبه، ولو أنه حصلت اختراقات نوعية في هذه الصورة النمطية وبات عدد متزايد من العلماء يجدون الطريق إلى الله عبر العلم، لكن بالنسبة للفرد العادي عادة ما يكون بيت القصيد في التشكيك بالإيمان هو التساؤل حول قضية العدل، خاصة عند رؤية طفل قد نهشه السرطان، أو كارثة كالتسونامي أو رؤية الطغاة والفاسدين يتمتعون بثراء فاحش بينما يموت الملايين بالمجاعة، ويعجز الصالحون عن فعل الخير }تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون|، لكن الحقيقة أن آليات عدل الله تحتاج للمزيد من العمق في التأمل، فعلى سبيل المثال كشف علم الجينات أن الإنسان يرث جينات تجعل لديه استعداداً وراثياً للإدمان أو للسلوك العنيف ويتكرس هذا الاستعداد لديه مع وجوده في بيئة تشجع عليه، وهذا ما أثار الجدل في الغرب حول هل لمثل هؤلاء الأشخاص حرية اختيار فيما أصبحوا عليه؟ وبالتالي هل من الأخلاقي معاقبتهم؟ لكن من عدل الله أن هناك آلية نفسية هي وجه لحرية الاختيار حتى في مثل هذه الحالة وتتضح في جواب لأحد مشاهير العلماء الصالحين الأسخياء، الذي سئل من أين تعلمت هذا العلم والصلاح والكرم والخلق؟ فأجاب من أب بخيل وأم جاهلة وعم فاسق وخال سيئ الخلق، فقوة النفور من النماذج السلبية في بيئة الإنسان تعادل قوة الانجذاب للنماذج الصالحة، ومثال آخر فقد أثبتت الدراسات وجود انخفاض في مستوى مادة كيميائية معينة في أدمغة الذين يعانون من ضعف تقدير الذات نتيجة ضعف الحالة الاجتماعية، ونقص هذه المادة يولد الاندفاع والعدوانية وهي صفات تساعد الإنسان على الترقي في السلم الاجتماعي، وكذلك الأمر بالنسبة للذين يعانون الكثير من المآسي والصدمات في حياتهم، فهم يصلون لمرحلة موت النفس، وهي مختلفة عن موت القلب الذي هو محل الإيمان، فموت النفس هو موت لمعنى الحياة الوارد في الآية }أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم| وهذا ما يجعل الإنسان يطمح إلى ما هو أبعد وأعظم وأبقى، ويورثه قوة كامنة واستقلالية فريدة تجعله أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة وأقل تأثراً بخسائرها لضعف ارتباطه بها، وصحيح أن لهذه الحالة جانبها السلبي المتمثل في جرعة الحزن الزائدة لكن «المغرم على قدر المغنم»، ولهذا فحياة الأنبياء والعظماء الذين هم قادة الحياة هي عبارة عن سلسلة من الأحزان المميتة للنفس، وهذه هي مرحلة الزهد الكامل وخروج الدنيا وأهلها من قلب الإنسان، وهذا ما يجعله أخلص خلق الله وأصدقهم، لأن دواعي السمعة والرياء ماعادت موجودة في نفسه لأن نفسه قد ماتت وماتت معها كل النوازع الدنيوية، وأحياناً قد يصل شعب كامل لهذه الحالة كالشعب الفلسطيني الآن وبالرغم من مأساويتها إلا أنها تمثل أول بشائر النصر لأنها تمثل مرحلة تلك القوة الكامنة التي هي خامة البطولة واستحقاق النصر التي ربما قصدها الحديث الشهير عن زمن يصبح فيه المسلمون كغثاء السيل ويقذف في قلوبهم الوهن، والسبب (حب الدنيا وكراهية الموت)، ولا توجد نبتة ولا حشرة ولا جرثومة إلا ولها سلاح فعّال ضد خصمها عدلاً من الله الذي (ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله)، وقد جعل في الأرض ما يكفي الجميع، إنما الفساد وسوء توزيع الثروات هو في الإنسان، وأغلب ضحايا الكوارث الطبيعية هم ضحايا التقصير البشري ولهذا لا يموت أحد في زلازل اليابان بينما يموت الآلاف بها في العالم الثالث. وعن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه «إن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة وإني عليم أن لو أعطته إياه لدخله العجب فأفسده، وإن من عبادي المؤمنين من لا يُصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده الفقر، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى، وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم».

bushra_sbe@hotmail.com