ظاهرة من الظواهر المقلقة تنتشر في كثير من مساجد بلادنا، ألا وهي ظاهرة غياب إمام المسجد، واختفاء المؤذن، وقيام غير المؤهلين للإمامة، ولا المحسنين للأذان، بأداء هذه المهمة.
ومن المؤكد أن حكومة خادم الحرمين الشريفين لا تدخر جهداً من أجل إعمار المساجد؛ والاعتناء بها، ووضع أجهزة التكييف في كل جوانبها حتى تساعد المصلي على التركيز في صلاته، والخشوع لربه، وتوظيف الأئمة المؤهلين، والمؤذنين المدربين، حتى يتدبر المصلون ما يسمعون، فيحظى الأئمة والمؤذنون باهتمام وزارة الأوقاف ورعايتها لهم، ليتمكنوا من أداء المهمة الشريفة خير أداء.
نعم، إنهم يأخذون أجورهم على هذا العمل في الدنيا لكن الإخلاص والتفاني في العمل عموماً، وفي هذه المهمة على وجه الخصوص، مسألة لا يعلم قدر جزائها إلا الله، ومن ثم رأينا كثيراً من الأحاديث التي تحدد مواصفات الإمام وشروط الإمامة، لما يترتب على هذه المهمة من آثار جليلة.
فكم من مصلٍ فاضت عيناه دمعاً، وتاب وأناب، لسماع آية بصوت مؤثر!!
وكم من مصلٍ صحح قراءاته للقرآن وحسن من تلاوته لمواظبته في الصلاة خلف هذا الإمام أو ذاك.
أما المؤذنون، فيكفي أنهم أطول الناس أعناقاً يوم القيامة، كما أخبرنا الرسول الكريم.
ولقد أخبرني أحد الأصدقاء، أن امرأة أوروبية سمعت صوت مؤذن ينادي للصلاة، فانجذبت لحلاوة صوته الإيماني وعذوبته، فسألت عن معنى ما سمعت، فكان إسلامها.
هكذا يكون أثر الإمام، وهكذا يكون أثر المؤذن. فما بالنا ببعض من أئمة العصر ومؤذنيه، وقد تخلفوا عن أداء هذه المهام الجليلة، وشغلتهم أموالهم وأولادهم عنها، فغاب الإمام، واختفى المؤذن، وحل محلهما من لا يعرفان أصول التلاوة، ناهيك عن مخارج الحروف التي قد تعطي للكلمة معنى مغايراً تماماً؛ فالضاد دال، والصاد سين، والذال زاي، وهلم جرا.
أنا لا ألوم هؤلاء، بل جزاهم الله خيراً، وربما كانت دالهم وسينهم وزايهم عند الله تعالى أفضل مما نقول، ولكن -وقد شرف الله تعالى الأمة العربية بقرآن عربي، وأذان عربي، وشرف هذا البلد بولادة الإسلام على أرضه، ونموه واشتداد عوده على أيدي السلف الصالح، أيضيع بعضنا ما حبانا الله به أو يشوهون تلك الصورة البيضاء الناصعة لبلد الحرمين الشريفين.
في إحدى المدن التي عملت بها لسنوات، مسجد في مبنى حكومي، يؤمه المئات من أصحاب المحال والعاملين من عرب وعجم، لا يستمر فيه إمام أو مؤذن لأكثر من بضعة أشهر، وليتهما يداومان بحرص على حضورهما للصلاة، نعم، إمام راتب، ومؤذن راتب، ويتقاضى كل منهما الراتب ولكن: أين هما؟!
فإمام المصلين فجراً وافد، ولا حرج في ذلك، وإمامهم ظهراً وعصراً عابر سبيل، رمته الأقدار إلى ساحة المسجد توسّم المصلون فيه خيراً فقدموه، والله أعلم بالسرائر أما المغرب والعشاء، فربما كان الإمام غير هذا وذاك، وربما لا يعرف ثقل هذه الأمانة. أما المؤذنون، فتفر الطيور من حشرجة أصواتهم، وسوء مخارج كلماتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ذات يوم رأيت إمام هذا المسجد يجمع توقيعات المصلين على استمراريته في عمله ومواظبته على حضور الصلوات، إذ اكتشف مسؤولو الأوقاف عدم انتظامه.
هذه الوظيفة لها مقابلها المجزي في الدنيا، وثوابها الجليل في الآخرة، ويتفلت منها أصحابها تفلت الماء من بين الأصابع.. فيا أيها الأئمة، ويا أيها المؤذنون، هل تعلمون ثواب وجزاء هذه المهمة التي كلفتم بها، وتتقاضون عليها أجراً؟ إن كنتم تعلمون، وتحسنون ما تعملون، فأنتم مأجورون، وإن كنتم تعلمون، وإن كنتم لاتحسنون ما تعملون، فأنتم آثمون. }كل نفس بما كسبت رهينة|.
Rashed@hotmail.com