ككثيرين غيري كنت من المشككين في رواية انتحار ثلاثة من معتقلي جوانتنامو وكنت أميل لنظرية أنهم ماتوا خلال إحدى جلسات التعذيب التي خرجت عن السيطرة، ففي الأسبوع الماضي أعلن عن وفاة ثلاثة عراقيين في معتقل أمريكي، وفي تقرير لهيومن رايتس واتش أن هناك حوالي 100 معتقل أعلن أنهم لقوا حتفهم في المعتقلات الأمريكية في العراق وأفغانستان عدا الذين لم يعلن عنهم خاصة في المعتقلات السرية الأمريكية حول العالم، كما تسربت معلومات سرية عن الاستخبارات الأوربية تفيد بمقتل عدد من معتقلي جوانتنامو نتيجة للتعذيب وأن الأمريكيين ألقوا جثثهم في البحر «الوطن» وهؤلاء من الذين لم تنشر أسماؤهم، ولولا وجود أسماء الثلاثة في القوائم المنشورة لما أعلن عن مقتلهم، وككثيرين وجدت تصريح الأميرال هاري هاريس قائد العمليات المشتركة بجوانتانامو مثيرا للسخرية والذي وصف فيه انتحارهم بأنه «ليس عملا بدافع اليأس وإنما عمل حربي من نوع مختلف موجه ضدنا» «إنهم أذكياء..ومبدعون وملتزمون». لكني غيرت رأيي لأني من المؤمنين بالقاعدة النفسية(من أسر سريرة ظهرت في كلامه وفلتات لسانه) فهل يعرف هذا المسئول شيئا غامضا عن المعتقلين جعله يصرح بهذا التصريح الغريب؟ والذي يبدو ظاهريا من المبالغات المسرحية المشهورة عن هذه الإدارة، لكنه قد يشير إلى السر الخطير الذي وراء إنشاء وإدامة هذا المعتقل الغريب الذي جلب على أمريكا سوء السمعة العالمية بدون أن يكون له ظاهريا أي فائدة، فبعد خمس سنوات من الاحتجاز لم يعد للمعتقلين أي قيمة معلوماتية حقيقية فقد صارت معلوماتهم قديمة إن كانت لديهم أصلا معلومات، ثم ما سر كل تلك الإجراءات الغريبة فيه؟ ابتداء من وضع المعتقلين في أقفاص مكشوفة ومضاءة دائما بشكل مبهر مع أصوات صاخبة أو تلك الصور التي تظهرهم وهم مكممو الأفواه والعيون والآذان أي في حال حرمان حسي كامل، إلى وسائل الإذلال الجنسي الفظيعة الذي رأينا نماذج منها في أبوغريب وهناك أمثالها وأفظع في جوانتنامو لأن تلك الأساليب طبقت أولا في جوانتنامو ونقلها رئيسه السابق اللواء جيفري ميلر الذي استقدم للعراق لتطبيقها فيه، ونجد المفتاح للإجابة على هذه التساؤلات في مقال في مجلة «النيويوركر»(11-7-2005) لجون ماير الذي زار جوانتنامو بعنوان «التجربة» واستوحى هذا العنوان من تعليق لأحد محامي المعتقلين بعدما شرح له تقنيات التعذيب الغريبة التي تمارس عليهم:(المكان برمته يبدو كتجربة علمية كبرى) ويشير بذلك إلى أن تلك التقنيات تتطابق تماما مع تقنيات برامج المخابرات والعسكرية الأمريكية في تجارب غسيل الأدمغة واستلاب الإرادة لتحويل الضحايا لعملاء ينفذون ما يؤمرون به بدون وعي مثل برنامج MKULTRA ويعزز هذا الاعتقاد أنه جرى توظيف ما يسمى «بفرق خبراء علم النفس السلوكي» «بسكيتس» التي انبثقت عن تلك البرامج والتي تعمل الآن تحت برنامج SERE المختص بتدريب الجنود على مقاومة عمليات غسيل الدماغ واستلاب الإرادة أثناء الأسر، وقال ماير إن ابرز مثال على استعمالهم بطريقة عكسية هو مثال تدنيس القرآن «فهي من تقنيات SERE التقليدية حيث يتعرض الجنود المتدينون لجلسات يتم فيها تدنيس الإنجيل» فهل كان ما قصده الأميرال هاريس هو أن انتحار الثلاثة -إن صح- يعتبر «عملا حربيا» ضدهم لأنه إتلاف لجهد سنوات من العمل على تحويلهم لعملاء مبرمجين! ومن باب التأكد يجب إجراء فحص للمواد المخدرة في دماء الثلاثة لأن تلك التجارب تتضمن حقن الضحايا بمواد مهلوسة ومخدرة كـLSD التي من أعراضها الجانبية الميول الانتحارية القهرية. وفي المقال القادم نتناول خلفيات هذة القضية الخطيرة.
bushra_sbe@hotmail.com