خرجت علينا مؤخرا «أم البدع» الدولة العظمى بتقرير «أمريكاني» يضع المملكة ضمن ثلاث دول صنفت على أنها دول «تتاجر في البشر»، وذلك فيما يتعلق بالعمالة الوافدة التي تعمل في البلاد.
وأتذكر مثلاً سمعته من أحد أفراد هذه العمالة التي تملأ ربوع البلاد، وتنعم بالأمن والأمان، يقول المثل (إن جاء العيب من أهل العيب، فما هو بعيب).
العمالة الوافدة، والتي تصل إلى ما يقرب من ثمانية ملايين، في شتى المجالات، بدءاً من عمال النظافة وحتى الخبراء والأطباء والأساتذة الجامعيين، تأتي وفق عقود وشروط يعرفونها قبل مجيئهم، ويرتضونها باعتبارها أفضل من ظروف حياتهم في بلادهم، تمنحهم حقوقاً لا تخفى على أحد، راتباً يتوافق مع إمكاناتهم ومؤهلاتهم، سكناً، بدل انتقال، وعلاجاً... إلخ.
فالمملكة لا تعرف الرق بصورته المعروفة في بعض بلدان العالم حتى الآن كما يذكره التقرير فقد اختفى من البلاد تماماً وهي لا تعرف الرق بصوره الخلفية من استغلال للأفراد، وهضم حقوقهم، والإساءة إليهم.
هناك شكاوى من بعض الوافدين، يرجع معظمها إلى عدم فهم هؤلاء لطبيعة المجتمع السعودي المحافظ، مما يخيل لهم أن سلوكاً ما هو مما يتعارض مع ما يدعون أنه من حقوق الإنسان.
والمسألة بسيطة: إذا كان الوافدون إلى البلاد يشعرون بسوء معاملة أو «استرقاق» من قبل السعوديين، فلماذا يتكالبون على القدوم إلى هذا البلد وتفضيله على سائر بلدان المنطقة؟!
سؤال آخر: بِمَ نفسر وجود كثيرين من الوافدين منذ عقود، يعملون ويتاجرون ويستثمرون ويتناسلون تحت ربوع هذا البلد، الذي حباه الله وشرفه بدين لا يفرق بين أبيض ولا أسود، ولا عربي ولا أعجمي.
ولماذا كانت المملكة ملجأ وحصناً لكثير من المضطهدين والمطاردين في بلادهم، وبخاصة الذين لا يطاردون إلا لقولهم لا إله إلا الله.
فلسنا بحاجة للدفاع عن منهجنا وسياستنا مع الوافدين، ووجود بعض حالات شاذة لا يعني وضع المملكة في قائمة المتاجرين بالبشر.
ولو سلمنا جدلاً بصحة هذا الاتهام المشكوك فيه، في حالات تتعلق بأفراد، فما بالنا بدول تتاجر في دول أخرى؟!
الولايات المتحدة، صاحبة العفة والصون، تخرج عن دائرة الدول الموقعة على اتفاقيات حقوق الإنسان، وتستثني جنودها من السؤال والمحاسبة أمام الهيئات العالمية، وهي ذاتها تسعى لاسترقاق الأمم والشعوب.
المتاجرة بالشعوب وإيقاد نار الفتن والحروب والصراعات بين دول الجوار، بل وبين طوائف المجتمع الواحد، من أجل الترويج للأسلحة الفتاكة، وتحقيق المصالح، والسيطرة على مقدرات الأمم والشعوب، هو عين الاسترقاق، وصميم المتاجرة، لكنه استرقاق أمم، ومتاجرة بشعوب.
إن فرض سياسات بعينها من قبل دولة عظمى، على أخرى مستضعفة أو «نامية» هو جريمة بحق الإنسانية جمعاء، فاستغلال شخص لآخر، أمر -وإن كان مرفوضاً دينياً وأخلاقياً وإنسانياً- هين ويسير، إذا ما قورن بالسياسات الاستعمارية التي تمارسها الدول العظمى تجاه سائر الدول، وبخاصة إذا ما كانت هذه الدول عربية أو إسلامية أو أفريقية.
حبذا لو قامت مؤسسات الولايات المتحدة المعنية بقياس استطلاع الرأي، واستقصت لنا آراء العمالة الوافدة في المملكة، ثم قامت باستطاع رأي دولة من دول العالم الثالث، لنرى من يتاجر بمن.
نحن لا نقهر أحداً، ولا نُجبر أحداً على البقاء في بلادنا، فالأرزاق بيد الله، إن كان الأمريكان يؤمنون بذلك.
نحن لا نغزو الهند لنأتي بالعمالة، ولا نسير الجيوش إلى بنجلاديش لنستولي على مقدراتها وتهجير سكانها.. السوق عرض وطلب..
والظلم في بلادنا له ما يردعه، والمحاكم عندنا وسجلاتها تشهد بنصرة المظلوم، والضرب على يد الظالم. لا نريد الخوض فيما يدور داخل أمريكا نفسها، فالمجتمع الأمريكي الأبيض خير شاهد على بقاء الرق معنوياً ومادياً في الولايات المتحدة.. ولا نريد الخوض في أحوال الإمكانيات المختلفة، وسياسات التمييز، وبخاصة في الفترة الأخيرة.
لكني أريد أن أقول لأصحاب هذا التقرير المشبوه: من كان بيته من زجاج.. فلا يقذف الناس بالحجارة. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
Rshed@hotmail.com