ما من دولة في العالم أخذت لها مكاناً في ساحة التقدم والازدهار، إلا واحتل البحث العلمي درجة عليا في اهتماماتها. وإذا نظرنا إلى عالمنا العربي، وجدناه -رغم ما يُعلن من إحصاءات وأرقام، يتوهم البعض عند قراءتها أننا قد بلغنا مقاماً عكسياً، مع أننا في أواخر الركب في هذا المجال.
الواقع يفند أي ادعاءات. أين نحن -كعالم عربي- من التكنولوجيا التي دخلت مجالاتها أقطار عدة؟ نحن مستهلكو تكنولوجيا، ولسنا منتجين لها.
أين نحن من النظريات الفكرية والفلسفية المعاصرة؟ نحن مستوردو نظريات، ولسنا مبدعين لها. هذه السطور سبقت فكري وعقلي، وأنا أتصفح كتاباً عن مناهج البحث العلمي وفيه أورد المؤلف فصلاً كاملاً عن دور العلماء المسلمين في مناهج البحث العلمي وهو ما أثار -بداخلي حسرة وأملاً؛ حسرة على ما نحن فيه وما آلت إليه أوضاعنا البحثية والمنهجية، وأملاً في أن نصحو قبل فوات الأوان، نستحضر الماضي، ونستشرف المستقبل، ونحسن الحاضر. معادلة ليست بصعبة إذا شمرنا عن السواعد وبذلنا الجهد الدؤوب، وأخلصنا النية، وأحسنا العمل. لقد استوعب المسلمون الأوائل منذ العصر الأموي علوم اليونان، وذلك بفضل سماحة الإسلام، واتساع أفقه. لم يحرم المسلمون الأوائل علوم الغرب الوثني والمشرك، وإنما أخذوا ما لا يتعارض مع عقيدتهم، طوروه، نموه، عربوه، ثم أسلموه، فحققوا بذلك نهضة ذات طابع إسلامي واضح، وجذور إنسانية متعددة.
لم يكن المسلمون الأوائل مجرد وسائط لنقل المنهج العلمي إلى سائر أوروبا، وإنما قاموا بدور إبداعي خلاق، هضموا علوم اليونان، أضافوا إليها، تفاعلوا معها، وأخرجوا لنا «شهداً» استلذ بطعمه الغرب، فأخذوا يرشفون منه، وتركناه نحن مستمتعين بلذة الآخرين في تناوله.
ولقد وضع العلماء المسلمون أسس المنهج الاستقرائي التجريبي، وخالفوا المنهج الأرسططاليس في كثير من جوانبه، كما فهم الأصوليون المسلمون كثيراً من القضايا بخلاف أرسطو، ووصلوا إلى طرق المنهج التجريبي التي اتخذها فيما بعد «ستوارت مل» ومن تبعه من فلاسفة المنهج التجريبي، ومن هذه الطرق: اطراد العلة، انعكاس العلة، الدوران، تنقيح المناط، وغيرها. وعرف المسلمون الأوائل منهج البحث التاريخي أو الاستردادي، وأقاموا عليه علم مصطلح الحديث، وطرق تحقيق الأحاديث رواية ودراسة، وذلك قبل أن يصل الغربيون إلى مثل هذه الأسس، بل لقد انتقل هذا المنهج الإسلامي من الشرق العربي الإسلامي عبر أسبانيا إلى فرنسا وسائر أوروبا.
لقد أقبل عدد كبير من الإنجليز إلى اسبانيا وتعلموا العربية وشاركوا في حركة نقل التراث، وبخاصة العلمي، ثم تنبه روجر بيكون إلى أهمية العلم العربي، ونقل كثيراً منه إلى انجلترا، وقد ألهم روجر بيكون فرنسيس بيكون، أول تجريبي حقيقي في العصور الحديثة، ثم تجد المنهج الإسلامي كاملاً في كتابات جون ستيوارت مل وغيره.
لقد عرف المسلمون الأوائل تحقيق النصوص، وما إخراج اليونيني حافظ دمشق المشهور لصحيح البخاري في القرن السابع الهجري إلا نموذج مشرق لذلك.
وعرف المسلمون الأوائل طرق المعالجة النقدية، فكتبوا في ذكر المصادر، والدقة في النقل، والوضع والسرقات الأدبية، ومصادر الخبر. لم يترك علماؤنا الأوائل باباً من أبواب البحث العلمي إلا وطرقوه وفتحوه وولجوا فيه، وأجادوا أيما إجادة، فأفادوا العالم بأسره. إلا أننا، وبعد قرون مكيلة، تركنا تراث الأجداد، وفضلنا الاستكانة، وهجرنا التطوير، ورحنا في سبات عميق.
وعندما استيقظ بعضنا، انقسم هذا البعض إلى فريقين: الأول، وهو فريق جاهل أحمق، راح يلعن السلف، ويراهم سبب التخلف، والثاني، فريق آثر البكاء على أمجاد الماضي.
نحن الآن بحاجة ماسة إلى فريق ثالث: يقلب صفحات التراث مستعيناً بكل ما وصلت إليه الإنسانية من تقدم فكري وعلمي ومنهجي وتكنولوجي. فريق يتخذ من النحلة قدوة. يمتص رحيق الزهور المتعددة الألوان والروائح، يهضمه في أمعائه، يضيف إليه من عصارته الذاتية، فيخرج لنا شراباً مختلفاً ألوانه، فيه تقدم ونفع وفائدة للناس جميعاً.
فأين نحن من هذا الفريق؟!
Rashed@hotmail.com