إنه العنوان الذي يمكن أن يلخص كثيرا من تناقضات الأحداث السياسية الجدلية الكبرى التي ملأت الدنيا وشغلت الناس مؤخرا، وعلى رأسها بالطبع القضية الفلسطينية وتداعيات فوز حماس وتوليها السلطة وما تبع ذلك من حصار دولي سياسي واقتصادي وإنساني أوصل الوضع الفلسطيني لحافة الانفجار والانهيار، ففوز حماس يمثل بلا شك فوزا للمثالية بأجلى صورها، فحماس كحركة تحرر وطني لها ثوابت وطنية وعقائدية مثالية تتعلق بالقضية والأرض والإنسان وبفوزها في الانتخابات وجدت نفسها وجها لوجه أمام الواقعية السياسية الدولية التي تعتمد بالنسبة للعالم الإسلامي مثالية مقابلة تنادي بالديمقراطية للجميع باستثناء القوى الوطنية والإسلامية التي تتمتع بالحظ الأوفر للفوز والتي يُسمح لها بالتنظير والتخيل لكن لا يمكنها اللمس، فالمثالية الدولية التي تنادي بالديمقراطية وتشجع قوى المجتمع الفاعلة على المشاركة في الحراك السياسي كوسيلة لمعالجة التأزم الحاصل في العالم الإسلامي، وجدت نفسها أيضا وجها لوجه أمام فوز مثالية الطرف الآخر التي تجسدت في الحالة الفلسطينية بحماس وقبلها جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، وكانت ردة الفعل الدولية هي مطالبة الطرف الآخر بالتخلي عن مثاليته باسم المثالية الغربية لصالح الواقعية الدولية، المتجسدة في قوى السوق وأجندة الهيمنة للقوى الكبرى وإلا كان مصيره كمصير الجزائر في التسعينات وأحداث الحرب الأهلية والمجازر المروعة التي ذهب ضحيتها أكثر من مائة ألف جزائري أو مصير فلسطين الآن وأحداث الفتنة الداخلية، وهكذا دخلت دول المنطقة شرك تناقضات المثالية الغربية، فمن جهة تعرف القوى الخارجية أن أي حراك ديمقراطي حقيقي سيأتي بقوى وطنية وإسلامية غير متماشية مع المشروع الغربي لكن في نفس الوقت تعرف تلك القوى الخارجية أن بقاء الوضع على ما هو عليه ستكون له إفرازات تهدد الاستقرار المحلي والعالمي، وهكذا انتهى الأمر بجميع الأطراف المشاركة في هذه اللعبة الغريبة إلى طريق مغلق بالمثاليات التي ألزمت نفسها بها، فالغرب يريد الديمقراطية للعالم الثالث لكنه لا يرضى بنتائجها المحتمة سواء أكانت قوى إسلامية أو يسارية كما في أمريكا اللاتينية، وقوى المعارضة التي أوصلتها شعاراتها المثالية إلى مقاعد السلطة تجد نفسها في وضع يستحيل عليها فيه تحقيق شعاراتها في وجه الواقعية الدولية وانحناؤها لتلك الواقعية يعني سقوطها كخيار بديل للوضع القائم، والحكومات المحلية التي تتعرض للضغوطات الخارجية لتتيح المجال لقوى المعارضة للمشاركة في السلطة تجد نفسها من جهة أخرى تخضع لضغوطات مناقضة من ذات الجهات لقمع المعارضة عند وصولها للسلطة، وفي النهاية تقع المجتمعات ضحية لهذة التناقضات. والحالة الإيرانية هي أيضا مثال على مفارقات المثالية والواقعية ولعله لا شيء يمثل رمزية هذه المفارقة كالرسالة التي بعثها الرئيس الإيراني للرئيس الأمريكي وكانت أشبه بفضفضة قلبية بين صديقين يتبع أحدهما مبدأ صديقك من صدَقك لا من صدّقك، لكن الذي حدث أن مبادرة حسن النية المثالية تلك تم رفضها بصلف شديد من الجانب الأمريكي وتحولت إلى موضوع مفضل لبرامج السخرية الكوميدية الأمريكية. لكن المثل الأخلاقية الصادقة قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان لكن فقط إن كان منظّروها مستعدين للتعامل الواعي والمنفتح مع آليات الواقعية، وإلا استمرت هذه المفارقة بين التنظير المثالي وبين الواقعية السائدة المجردة من كل القيم والمبادئ والمثل التي تعطي حياة الناس قيمة ومعنى.
bushra_sbe@hotmail.com