كثيراً ما تحاصر دوامة الحياة ومشاكل العمل ومتطلبات الأسرة البعض، فيهربون إلى مجالس الأصدقاء، ولو مرة أسبوعياً، يتبادلون فيها أموراً عامة، وخاصة، هكذا نحن الهاربون نلتقي، يفرغ كل منا همومه، ويبث شجونه، لأصدقائه وأحبابه، فيخف الحمل من على الكواهل والأكتاف، وتخرج النفس بعضاً مما بداخلها، فيستريح المرء، ويأخذ جرعة من النشاط الجسماني، والراحة النفسية، قد تكفي حتى لقاء آخر، وقد يحتاج المرء جرعة أخرى.
التقيت مع الأصدقاء والأحبة، وقد سيطرت على عقلي وأفكاري ومشاعري قضية أحسبها مهمة للغاية عزمت على طرحها إلا أن أحد الأحبة بادر بالطرح، وكنت أعتقد أنني فريد في أحاسيسي وهمومي، فما أن طرحت على صحبتي، حتى وجدت الجميع يتفقون في الانشغال بها، والتفكير فيها، إنها قضية حب الوطن، وصدق الانتماء إليه.
بدأنا الحديث من زاوية أدبية، كل منا أدلى بدلوه، وذكرنا بأبيات لشاعر هنا وآخر هناك، قيلت في حب الوطن وقصة تربوية، فالقضية ذات جوهر إنساني عام، مهما تعددت الأوطان، فما بالنا بوطن احتضن أشرف الرسالات، وتشرف بخير الخلق.
وهناك وجدتني أردد بيني وبين نفسي بعضاً من قصيدة الشاعر صالح العلوي:
يا ليت شعري هل ترى عيني حمى قد جاست الأملاك في وديانه
وأٌعفّــــر الخــــدين في تُـــربٍ مشـــى فيه النبي وصالحو أعوانــــه
وانتقلنا من واحة الشعر والخيال، إلى واقعنا، بكل ما يحتويه من ماضٍ وحاضر ومستقبل، وطرحنا جميعاً تساؤلاً، كان ينبغي لنا أن نطرحه، ونحن نشاهد جيل الشباب وقد تناسى الكثيرون منهم فضل هذا الوطن عليه، وعلى آبائه.
كيف ننمي حب الوطن، والانتماء إليه في نفوس شبابنا؟!
في اعتقادي، أننا ينبغي علينا أن نبدأ من مرحلة الطفولة، عندما يبدأ الحدث الصغير في الإدراك والتمييز، وذلك عن طريق إعداد مناهج التربية الوطنية وتطوير تلك المادة التي تدرس الآن إلى حسية وبصرية وسمعية حتى تسهم في كشف فضائل هذا الوطن على أبنائه، وخصوصية هذه الأرض، وتشريف الله تعالى لها بنزول قرآنه فيها، واختيار خاتم رسله من قبائلها، وإلقاء مهمة نشر هذا الدين الحنيف على عاتقها واستمرارية قيامها بهذا الدور دون كلل وملل.
على هذا الجيل الصغير أن يعلم مدى مافيه من نعم ربانية لا تعد ولا تحصى في عصر لا يخلو فيه مواطن من صنوف المعاناة المادية والمعنوية. وطرح أحد الأصدقاء تكثيف جرعات البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي تنمي مشاعر حب الوطن في نفوس الصغار والكبار، وكذلك التركيز على ما ينشر في الصحف والمجلات من مقالات تهب في هذا المجال.
وذهب آخر إلى ضرورة الاهتمام بأدب الأطفال، وتوجيه هذا الأدب بحيث يؤدي دوره في غرس حب الوطن وشرف الانتماء إليه، والتضحية من أجله بكل غالٍ ونفيس.
ورأى أحد الأصدقاء من ذوي الحس الفني ضرورة استغلال الأناشيد من أجل إبراز فضائل هذا الوطن الغالي، من خلال أناشيد وطنية تربي مشاعر الصغار وتهذب أحاسيس الكبار.
اقتراحات كثيرة، لكنها ليست النهائية، ولعله من الأفضل أن نطرح مسابقة لجميع أبناء المملكة، لتقديم أفضل الأفكار التي من شأنها أن تسهم في تنمية مشاعر الانتماء وحب الوطن لدى أبناء هذا البلد، هذه الأمور نعلم أنها لم تغفل من أحد لكن حب الوطن للجميع يدفع إلى ترجمة الحب.
علينا -في كل مجالات العمل- أن نبرز ونكرم ونقدم كل من أسهم بقول أو فكر أو عمل من أجل نهضة هذا البلد ورقيه.
وعبرنا في مجلس الأصدقاء، والحديث متواصل، إلى قضية ذات علاقة بموضوعنا الذي بدأنا به، وهي: ماذا قدمنا لبلدنا ووطننا؟
تكلمنا كثيراً، لكننا متفقون على أننا مقصرون في حق هذا الوطن، فالعقول السعودية، والإدارة الوطنية، قادرة على أن تقدم الكثير والكثير. سنشعر دائماً بالتقصير مهما قدمنا، لأن الوطن يقدم لنا دائماً أكثر مما نعطيه.
إن قضاء ليلة آمنة في ربوعه، وزيارةً خاطفة لطيبة الطيبة والسلام على خير الأنام، وطوافاً وسعياً في بيت الله الحرام، وما يحيط بذلك كله من يسر الانتقال وسهولته، وسعة الرزق وكثرته، وعلاقة حب ورحمة بين حاكم ورعيته، كلها نعم لا نستطيع أن نشكر الله تعالى عليها، ولا أن نوفي الوطن الغالي حقه في توفيرها لنا.
فلننظر إلى ماضينا وما كان عليه السلف، ولننظر إلى واقع العالم: شرقاً وغرباً، ولننظر إلى ما نحن عليه، سندرك وقتها أننا في وطن يحتاج منّا الكثير، وله علينا حقوق عديدة.
طال الحديث عن حب الوطن، كل منا يبث شجونه لأصدقائه، وكلنا يوافق الآخر على أن حب الوطن بحاجة إلى سواعد وإرادة وعمل، وإن أبناء هذا الوطن يملكون هذه المعدات، لكن البعض يحتاج إلى تنمية كيفية توظيفها والأهم الأبناء.
وعاد سلطان الشعر يداعبني وأنا خارج تلك الجلسة الطيبة، وتذكرت أبياتاً للشاعر محمود شوقي الأيوبي، قالها شوقاً لوطنه حين اغترب عنه، ومنها:
وطني بحبك تُشرق الآمــــالُ وعلى أديمك لي هوى سيّال
قد كنت فيك من المعالي شعلة بسنانها شعرُ الهوى يختالُ
...........
...........
سأفيـــــك حقك ما حييت فإن أمتْ تسلم تصنك من الردى الأجـيال
Rashed@hotmail.com