هذا هو السر الملهم للمتميزين والعظماء في كل زمان ومكان ولهذا اشتهروا بالحرص على قراءة النبوءات القديمة، ليؤكدوا لأنفسهم صحة شعورهم بأنهم المختارون لما يريدون تحقيقه لأن هذا الشعور بحد ذاته يمثل حافزا لهم على بلوغ طموحاتهم الكبرى، وفي الواقع كل الناس تحب أن تشعر بهذا الشعور لكن قلة تبقى وفية له وهي القلة التي تحوله إلى حقيقة ولذلك ما برز عمل إبداعي إلا والشخصية المحورية فيه كانت شخصية قلقة متطلعة وباحثة عن غاية وقيمة عليا لحياتها تشعر بأنها مختارة لها، وأول عمل خلد هذه الفكرة في التاريخ هو ملحمة (جلجاميش) ملك أورك السومري الذي كان يشعر أنه مختار لاكتشاف سر عالم ما قبل الطوفان وأكسير الشباب، وحديثا رواية (الخيميائي) للبرازيلي باولو كويلو الحائز على جائزة نوبل وهي من أكثر الكتب مبيعا ونشرت في 150 بلداً، وبطلها شاب أندلسي يتطلع إلى ماهو أبعد من واقعه البسيط كراعٍ للغنم وبعد رؤيا تكررت مرتين يدرك أنه مختار للبحث عن كنز مفقود. ثلاثية قصة (سيد الخواتم) للبريطاني د.جون توكين وثلاثية الأفلام للمخرج بيتر جاكسون -رشحت لـ 30 أوسكار- وكلاهما يعتبر الأضخم والأشهر في التاريخ، هي أيضا قصة شخص يدرك أنه مختار لغاية تدمير رمز الشر متمثلا في خاتم. سلسلة روايات (هاري بوتر) للبريطانية جوان رولينج التي ترجمت لـ62 لغة وأصبحت محل هوس ملايين الصغار والكبار لدرجة أن نزولها للأسواق صار حدثا عالميا وكثير من الأطفال يصابون بعارض «صداع هاري بوتر» لأنهم من شدة حماسهم لإنهاء الرواية التي يصل عدد صفحاتها إلى الألف بلا توقف يصابون بصداع يدوم لأيام من شدة الإجهاد، وتدور أحداثها حول هاري الطفل اليتيم المضطهد الذي يكتشف أنه مختار لمهام كبرى في محاربة الشر في عوالم غامضة. كتاب (حياة مسيّرة بالهدف) للتنمية الذاتية 2002 للقس الأمريكي ريك وارين وهو من أفضل الكتب مبيعا وترجم لـ 60 لغة و رسالته أن كل إنسان هو مختار لأن الله خلقه كفرد مميز ولغاية مميزة هي أن تكون حياته مسيرة بهدف الإيمان بالله، وقد اشتهر هذا الكتاب(2005) بعد حادثة فرار المتهم الامريكي (براين نكولاس) من المحكمة بعد قتله أربعة أشخاص ثم أخذه لرهينة (آشلي سميث) التي خطر لها أن تقرأ لمختطفها المقاطع التي تفيد بهذا المعنى من الكتاب، فتأثر بها وسلم نفسه للشرطة وتاب. وإسلاميا يعتبر هذا المبدأ أساسياً ولو أنه لم تسلط عليه الأضواء المناسبة، يقول تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) قال الطبري (قال الله لنبيه..يختار ربك للهداية والإيمان والعمل الصالح ما هو في سابق علمه أنه خيرتهم..فكذلك..اجتبائي لولايتي واصطفائي لخدمتي وطاعتي خيار مملكتي وخلقي ). فكل مؤمن يجب أن يشعر بامتياز هذا الاختيار، لأن شعورك أنك مختار يعطيك هدفا لحياتك أبعد من يوميات الحياة العادية، ويعطيك دافعا للتميز وعدم الاستسلام للصعوبات والمثبطات والمحبطات التي هي العدو الأعدى للنجاح، ومتى شعرت أنك مختار لهدف نبيل وأنك تريد بلوغه أكثر من أي شيء في الدنيا فكما يقول كويلو (إذا أردت شيئا بشدة فإن العالم كله سيطاوعك لتحقيقه) فمن يريد شيئا بشدة يكون أصلا مختاراً له (كل ميسر لما خلق له).
bushra_sbe@hotmail.com