منذ أشهر ومعدل الجثث التي تجمع يوميا من شوارع بغداد ومكبات نفاياتها هو حوالى الخمسين جثة أعدم أصحابها من العزل المقيدي الأيدي بدم بارد بعد أن تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب، هذا عدا ما يعادل هذا الرقم من ضحايا الانفجارات التي لا تنتهي وقد صار الأمر روتينيا ومعتادا لدرجة أنه ما عاد أحد يستنكر عدم استنكار أحد، وفلسطين القضية الأسطورة، انتفاضة وآلاف الشهداء والأسرى والمعوقين انتهت إلى لا شيء، وانتخابات نزيهة من الطراز الذي يطالب به ما يسمى بالعالم الحر، لكن عندما تبين أن نتائجها ليست على هواهم عوقب الشعب المحاصر المسكين بابتزازه بلقمة عيشه، وبعد فضائح فساد بددت مئات ملايين الدولارات من المساعدات التي كانت تمنح للسلطة وسوء إدارة مكاسب الانتفاضة ماذا كان يتوقع العالم أن يكون الخيار الانتخابي لهذا الشعب المعاقب من الجميع على جرم لم يرتكبه ! حصار من الداخل والخارج وضغوط من الكبار على بنوك العالم «لا ترحم ولا تخلي الرحمة تنزل» وأبعاد وتفاعلات الاضطرابات الأمنية والاقتصادية في المنطقة ومعضلة إيران وغيرها من التحديات التي بحجتها تعاد صياغة ليس فقط خريطة المنطقة بل خريطة العالم ونظرة على التدهور الجذري الذي حدث في ثقافة العالم الحقوقية والسياسية والحضارية، كانت كلها كفيلة بإيقاظ الموتى، فمن يصدق أن ما يحدث في جوانتنامو و إخوانه من أبوغريب وباجهرام والمعتقلات الأمريكية السرية حول العالم التي يُختطف إليها المتهمون بدون محاكمة وقد يعذبون حتى الموت، يحدث تحت سمع العالم وبصره، فماذا حصل للعالم ولمثقفيه ولمؤسساته السياسية والحضارية حتى صار في وضع الغيبوبة الذي نراه فربما لا يدرك الكثيرون أنهم يعيشون الآن الأحداث التي ستشكل مستقبل المنطقة والعالم لهذا القرن، لكن من يبالي؟! فالكثيرون مستهلكون بالاستهلاك وبالأحداث المفبركة التي صُيرت أحداثاً مصيرية قومية، فمن سيبالي في ظل اهتمامات كبرى مثل انتخاب السوبر ستار وبدع تلفزيون الواقع المفلسة أدبيا ونضالات إنقاص الوزن التي تحولت إلى المعارك الملحمية الكبرى التي على الإنسان أن يخوضها ضد قوة الشر والظلام، وبدل الأعمال عن سير العظماء نرى حتى مسلسلات رمضان صارت عن المغنيين و..إلخ من مفردات فقاعة غيبوبة الوعي التي امتصت كثيرا من الناس ومن وقتهم واهتماماتهم، في وقت يشعر فيه أغلب أهل هذا الكوكب أصلا بالعجز وقلة الحيلة تجاه فعل أي شيء لتغيير واقعهم الحقيقي الذي سيطرت عليه أقلية عالمية مستبدة ومتسلطة لديها قوة وأموال بلا حدود وكل شيء بالنسبة لها هو قابل للاتجار فيه للمزيد من الأرباح، السلاح..وقوت الناس ودماؤهم ومصائر الأمم، والسلاح الأمضى الذي استعمل لإقرار هذا الواقع الظالم هو السلاح الذي صرح عدد من قادة إسرائيل أنه كان الأمضى ضد العرب والمعارضين في العالم، وهو الملل، فعندما تجرجر أي قضية لفترة توصل المهتمين والمراقبين لدرجة الملل والسأم منها عندها تكون قد انتصرت فيها وانفتح أمامك الباب لفعل كل ما تريده، فالملل يولد اللامبالاة، واللامبالاة هي العجز الاختياري، والدواء المتيسر هو عزل النفس عن فقاعة تغييب الوعي التي ينفخها الإعلام وتجاوز عناوين الأخبار إلى أصول الأشياء وإدراك أن مجرد تراكم مشاعر الناس واهتماماتهم باتجاه معين ينتج آليات ضغط وتغيير مباشرة وغير مباشرة في الداخل والخارج.
ص.ب 6123 مكة
bushra_sbe@hotmail