كان الشيخ علي الطنطاوي يرحمه الله له عالمه الخاص.. إذ كان يأتي لتسجيل برنامجه على مائدة الإفطار من غير نص مكتوب (كما جرت العادة) وإنما يختار من بريده بعض الرسائل في عفوية ثم يدخل إلى الأستديو ويسجل.. ومع ذلك كان فى منتهى البراعة والحضور والتأثير المباشر على جمهوره.. الأمر الذى نما قاعدته الجماهيرية.. وكان برنامجه ناجحا بكل المقاييس.

أسئلة الأشقياء:

ولما أن البرنامج يكاد يكون الأول من نوعه.. فقد استقطب العديد من الجمهور.. كان بعض العابثين يحاولون من خلال الأسئلة الخارجة عن القانون وعن النص.. يقف أمامها في عفوية وتلقائية وفي براءة ويقول نعم (ايش المانع أن تكون في رمضان) وبالطبع فإن هذا يثير ضحك الكثيرين من الجمهور.. إذ فيها مداعبة ولكن بعد أن تنتهي الحلقة يقابله أصدقاؤه ويقولون له إن هذه الأسئلة غير مؤدبة.. ثم في الحلقات الأخرى يتناول شرح هذا الموضوع وكيف أن بعضهم يبعث إليه بأسئلة لا تخلو من الدرن.

عبث الصبية يا معالي الوزير:

ما حدث معي من هذه القناة الخاصة صورة لبعض من لا يحترم كلمته.. كذلك حدثت في مجال الإذاعة.. أن طلب إلي أحدهم إجراء مقابلة وألح في ذلك إلحاحا عجيبا.. وبالفعل نزلت عند رغبته وسجلنا الحلقة من خلال مهندس الصوت الذي حضر معه.. وبعد أيام جاءني صوته يكاد يتميز من الغيظ.. كيف أن زملاءه لم يضعوا البرنامج على مائدة البرامج.. كاد البكاء أن يخنق عبراته.. هذه الصور الفجة العفوية تكررت معي وربما مع الكثيرين.. هذا أسلوب شاذ وليس من آداب الإعلام المحترم الذي يحترم نفسه من خلال احترامه لضيوفه.. ولعلكم يا معالي الوزير من خلال ميثاق الشرف الإعلامي تضبطون مثل هذه الحالات الشاذة وتجنبون الأسرة الإعلامية من أمثال هؤلاء سقط المتاع..

رمضان أوشك على الرحيل والعيد قادم:

سبحان الله كيف انطوت أيام شهر المغفرة والعتق من النار في سرعة بالغة... وسط ذهول العالم الإسلامي وكل من تعامل مع هذا الشهر الكريم وعاش روحانيته بالطول والعرض.. رغم الأحداث الدامية والجثث والأشلاء والدماء التي سالت.. إلا أن رمضان عالج كثيرا من جوانب العنف الإنساني.. لأن رمضان عيادة خاصة بين العبد وربه.. فيها كثير من الخصوصية والسرية.. لأن العبد يحرص على أن يؤدي هذه الفريضة لابسا لباس التقوى.. وهو موسم ترويض النفوس التي جبلت على الخروج على الأوامر وعلى النواهي.. لكن رمضان في تلقائية وتلباسية لا يدانيها شيء.. سرعان ما يروض النفوس ويطبعها بطابع الخير الذي يمكن النفوس من أن تفر إلى الله في روحانية سامية.. يحاسب العبد نفسه في تجلٍ وصدق يقترب من السمو.. فهو يحرص على تنقية الأجواء بينه وبين الناس أقارب وأصدقاء وأرحام وجيران.. ثم يرقى بتعاملاته على غير المألوف.. كيف لا وهو يعيش الصوم.. صوم الأبدان وصوم الأفواه وصوم الأرواح.. تلك تجليات لا يجليها إلا رمضان.. ورب رمضان.. وقد أذن رمضان للرحيل (من غير مسفوط) فإن علينا أن نتدارك ما بقي منه.. لعلنا نعالج ما ارتكبناه من أخطاء في هذا الشهر الفضيل.. بغية أن يتقبلنا الله في عباده الفائزين الصالحين الذين فازوا بشرف العتق من النار.

عيد الأمة رغم الجراحات:

ويأتي عيد الفطر المبارك يكتظ بالذكريات البعيدة.. يوم أن كنا صغارا ويوم أن كانت الدنيا أكثر انفتاحا وانبساطا وانعتاقا من كل التعقيدات.. من صعوبة ظروف الحياة كما هو حالنا الآن.. العيد ليس بلبس الجديد ولكنه فرحة تتلنا من الأعماق أن نعيش ونعايش إخوتنا من الذين يعيشون في لهب وأتون الظلم والاستعباد والظروف الصعبة.. نسأل الله أن يأتي هذا العيد ويرحل بذنوبنا وأخطائنا وعيوبنا لنكون قد استوعبنا درس رمضان وعشناه وسنعيشه وفق ما يريد الرب سبحانه وتعالى.. كل عام وأنتم بخير.. وحسبي الله ونعم الوكيل.