أحيانا تكون الأمثلة العامية كنزاً من الحكمة ومنهجاً يوضح السبيل الأقصر لتحقيق الأهداف، ولو بدأت هذا المقال بالمثل الشهير «إذا أردت أن تطاع.. فاطلب المستطاع» فالطاعة مقترنة بالاستطاعة وانتفاء المقدرة يعني تعطل الطاعة لعدم المقدرة.

وأجدني في حالة توقف أمام العقوبات المفروضة قانونيا حيال أي مخالفة سواء كانت مادية أو معنوية والتي تفترض عقوبة قابلة للتنفيذ، فنحن حديثو عهد بسن القوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية، ومازال معظمنا يتهجى عشرات القوانين التي يتم إصدارها يوميا بينما الجميع لا يدرك فداحة الأفعال الماضوية التي كان يمارسها من غير حسيب أو رقيب.

نعم، المجتمعات المدنية ناضلت من أجل إيجاد قانون منظم للعلاقات المتبادلة بين أفراد المجتمع، وقد كتبت العديد من المقالات أطالب بتلك القوانين إلا أن التوقف الآن ليس رفضا للقوانين وإنما تريث وإطالة للنظر في ضخامة العقوبة، وفرض العقوبة أوجد من أجل الحد من تفاقم أي مسلك اجتماعي وفرضها ليس للتعجيز، ولو تتبعنا ما نصت عليه بعض العقوبات فسوف نجد أنها تسلك مسلك عدم الاستطاعة، خاصة في جانبها المادي.. ولأننا حديثو عهد في التعامل مع القوانين كان من المفترض التدرج في سن العقوبة بجانبيها (الحبس والغرامة) حتى إذا استوعب كل فرد أن بعض الأفعال غدت ضمن إطار التجريم الذي يخضع للعقوبة.. ومن البديهي أن نعلم الفرد كيفية التهجئة قبل أن نلزمه بإجادة تنفيذ القراءة الصائبة. وإذا كان أول درس نتغنى به لطفل يتعلم المشي قولنا «تاتا.. تاتا.. خطي العتبة» وليس جذبه لكي يسقط على وجهه..

وهذه المطالبة في تدرج العقوبة رأفة بأناس ما زالوا يمارسون أفعالا وألفاظا كانت بالأمس لا تعني لهم أي جرم، وحديثي هنا يكاد يركز على العقوبات المادية التي يصل بعضها إلى ما فوق المليون ريال، وأعتقد أن الملايين منا لن يقدروا على سداد عقوبة تصل إلى مائة ألف ولو فرضت العقوبة بتلك المبالغ فسوف يعفن الآلاف داخل السجون من غير الاستطاعة على دفع العقوبة المادية.