تشكل المرأة ما يزيد بقليل على نصف سكان المملكة العربية السعودية، لكن مساهمتها في المستويات المقيسة للنشاط الاقتصادي والنمو والرفاهية لا تزال أقل بكثير من المستوى الممكن، وهو ما ينطوي على عواقب اقتصادية كلية وخيمة. ورغم ما تحقق من تقدم ملموس في السنوات الأخيرة الا أن التقدم في مسيرة تمكين المرأة قد تأخر بالفعل. فلا تزال مشاركة الإناث في سوق العمل أدنى من مشاركة الذكور، ومعظم الأعمال غير مدفوعة الأجر تقوم بها المرأة، كما يُلاحَظ أن تمثيل المرأة في اقتصاد الظل أو القطاع غير الرسمي وفي شرائح السكان الفقيرة يتجاوز تمثيل الرجل بكثير في الحالات التي تعمل فيها المرأة مقابل أجر. كذلك تواجه المرأة فروقا كبيرة في الأجور بينها وبين نظرائها الذكور خاصة في القطاع الخاص! ولا يزال تمثيل الإناث منخفضا في المناصب العليا وفي مجال ريادة الأعمال..

هل التدرج في تمكين المرأة إيجابي؟ وعلى حساب من سيكون هذا التدرج؟ فإن كان التأخر كان بسبب سياسات عمل سابقة لم تدرك مدى خطورة هذه التشوهات والتمييزعلى الاقتصاد المحلي واللحمة الاجتماعية للوطن فمن تظنون سيدفع الثمن؟ هل سمعتم باقتصاد الظل؟ وهل تعرفون خطورته؟

افتحوا انستجرامكم ووسائل التواصل الاجتماعي وراقبوا الكمية المهولة من الأعمال غير المرخصة والتي تدار من نساء! البيوت ومن يطبخن فيها؟ البسطات والمسوقات والصبابات والطقاقات والمغنيات وكل من يبعن ماركات مقلدة من عطور ومكياج وشنط.. وغيرهن كثير؟ كلهن جزء من اقتصاد الظل النظيف وهناك الآخرالبعيد الفاسد.

القضاء على اقتصاد الظل مسألة شبه مستحيلة وسط اقتصادات نامية عانت المرأة فيها من التهميش.

فإذا نظرنا اليوم الى واقع المرأة في الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية التي عانت من تحديات غيرعادلة، سنجد أن البطء في تعديل السياسات ومكافحة الفساد كان سببا رئيسيا في نمو اقتصاد الظل لأنه يصبح بديلاً لسياسات مالية وإدارية فاسدة تعرقل على المواطن الوصول للقمة عيشه وتحقيق كيانه. إن اقتصاد الظل يعتبر مظهرا من مظاهر تخلف المجتمعات، لأن من أهم سلبياته هدر الموارد المادية والبشرية وسوء استغلالها، مما يؤدي إلى تفاقم معدلات البطالة ولجوء الأفراد إلى ممارسة أنشطة اقتصادية خفية غير نظيفة بسبب غياب الأنظمة الاقتصادية العادلة والسليمة التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة وحاجيات المجتمع الأساسية من ذكور وإناث ليس فقط من باب العدل المجتمعي ولكن لأن دفع المرأة لاقتصادات الظل قد يكون له فوائد وقتية في المجتمعات المحافظة، إلا أن أضراره قد تكون كارثية على المدى الطويل.. فكلما ازداد معدل الاقتصاد الموازي على حساب الاقتصاد الفعلي أعطى معلومات وإحصائيات مضللة وغير دقيقة عن الإمكانيات الاقتصادية الحقيقية للمجتمع، وأدى إلى سوء تخصيص الموارد الاقتصادية وسوء توزيع الناتج المحلي، فالاقتصاد الموازي يتسبب بدرجة كبيرة في إفشال سياسات الاستقرار الاقتصادي نتيجة لدوره التشويهي للمؤشرات اللازمة لوضع السياسات.

تواجد المرأة السعودية المكافحة اليوم في الاقتصاد الموازي يرجع إلى الأنظمة الضريبية المباشرة وغير المباشرة، وغير العادلة في خياراتها، ولارتفاع نسبة مساهمة النساء في الضمان والتأمينات الاجتماعية، وتدني الأجور المادية والمعنوية لهن والتي لا تتناسب مع مستوى المعيشة ومسؤولياتهن الأسرية.. فتعقيد الإجراءات الإدارية والتنظيمية لعمل المرأة وارتفاع الرسوم المفاجئة في أسواق العمل، وتعقيد الإجراءات القضائية والأمنية في الهيئات الحكومية جعل عمل المرأة في الظل ملاذا للعيش ومحاولة لتحقيق أحلام لها ولأطفالها لم تأت.. فإلى متى تبقى الفقيرة المتعلمة والأم الحاضنة في الظل فقط لأنها أنثى.

* كاتبة سعودية

WwaaffaaA@