قليل من الفقهاء من امتلك زمام البلاغة، وقليل من البلغاء من تفقه في دينه. والإمام الشافعي من هؤلاء القلة من الفقهاء الذي جمع إلى جانب فقهه العظيم، تمكنا من اللغة العربية، وتذوقا لها، ونظما لشعرها.

قيل للإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

يا إمام: دلنا على واجب وأوجب، وعجيب وأعجب، وصعب وأصعب، وقريب وأقرب.

قال الشافعي:

ولكن ترك الذنوب أوجب

وغفلة الناس عنه أعجب

واجب الناس أن يتوبوا

والدهر في تصرفه عجيب

ولكن فوات الثواب أصعب

والموت من دون ذلك أقرب

والصبر عند المصائب صعب

وكل ما تتمنى قريب

الكلمات السابقة ليست مجرد أبيات شعرية، فما أكثر شعراء العرب، وإنما هي حكم ومواعظ ودرر، لا ينبغي لمن يقرؤها أن تمر عليه كما تمر قصائد شعراء العرب على مر التاريخ.

فمما لا شك فيه أن التوبة واجبة على كل إنسان، لكن الأوجب أن يقلع المرء عن الذنوب والمعاصي.

وكلنا يعجب من تصرفات الدهر، وما يحدثه في حياتنا من تقلبات، فلا دوام لحال، بل إن دوام الحال من المحال، ومع هذا، فالناس غافلون عن صنائع الدهر، فالغني يعتقد أن غناه دائم، وذو السلطة يحب أن سلطته أبدية، وذو القوة والجبروت لا يفكر في يوم تزول فيه قوته وبطشه وجبروته، وهكذا يغفل الناس عن تقلبات الدهر.

وكلنا يعلم صعوبة الصبر على ما يواجهنا من نوائب الدهر، من فقد الأحبة، وضياع المال، وتدهور الصحة والحال، ومع هذا فإننا ننسى ثواب الصبر، ونجزع ونهلع ونقنط.

وكم من آمال وأمان تملأ قلوب الكثيرين منا، ومهما عظمت هذه الآمال و الأماني، فإنها قد تتحقق عاجلا أو آجلا، ولكننا نغفل حقيقة مهمة، وهي أن الموت أقرب لنا من كل شيء، فقد يأتي لأحدنا وهو يقرأ هذه السطور، وقد يحل بنا ونحن في كامل الصحة والقوة والشباب.

هذه المقابلات التي حوتها أبيات الإمام الشافعي كفيلة لمن قرأها وتدبر معانيها، أن يراجع نفسه، وينتبه إلى حقائق غائبة عنه، أكثر أهمية للمرء مما قد يبدو له مهماً في ظاهره.

رحم الله الإمام الشافعي، ورضي عنه.