المجتمعات التي تريد الحياة المتجددة والمضي إلى الأمام بثقة واطمئنان وبأقل العثرات والصعوبات لا بد أن تكاشف نفسها بأخطائها وتنبش في ملفات مشاكلها الماضية وتفحص الأسباب التي خلقتها والنتائج التي أدت اليها وحجم الأضرار التي تكبدتها، عليها أن تكون أمينة وصادقة ومتجردة في فحص ماضيها دون خجل أو حرج وبلا تردد، وإذا لم تفعل فإنها تمارس ترحيل أخطائها الى المستقبل لتتراكم أخطاء كل مرحلة وتصبح عبئا ثقيلا معطّلا في مرحلة ما قد يصعب التخلص من تبعاته، ولكن كيف نفعل ذلك؟.

لقد بدأنا مؤخرا تفكيك مرحلة صعبة اجتماعيا وثقافيا امتدت قرابة أربعة عقود كلفتنا أثمانا باهظة على كل الأصعدة، لكننا في الحقيقة بدأنا التخلص منها أو تجاوزها بقرارات من الدولة، هي قرارات شجاعة بكل المقاييس دشنت المرحلة الجديدة التي تعيد المجتمع إلى طبيعته وفطرته الإنسانية، لكننا يجب أن نُخضع تلك المرحلة للدراسة والتشريح بشكل شفاف وأمين وشجاع. القرارات الرسمية ليست كافية لتقدير أهمية النقلة الإيجابية التي بدأنا نعيشها إذا لم يتعرف الجيل الحاضر من الشباب الذي لم يمر بتلك المرحلة على تعقيداتها وملابساتها وأسبابها والتداخلات المتشابكة لظروف كثيرة في إنتاجها، ليجعل منها عظة وعبرة تحميه من الانسياق خلف أي تجربة مستقبلية سلبية تعطله.

لم يكن ممكنا خلال سطوة تلك المرحلة نقدها والبحث فيها أو حتى دراستها بشكل معقول، كل من يفكر في ذلك أو يجرؤ على المحاولة يتعرض لعاصفة عاتية تطيح به معنويا واجتماعيا وأدبيا وعمليا في أبشع شكل من أشكال التصفية، مواجهة لا أخلاقية غير متكافئة يستخدم فيها الطرف الأقوى المسيطر كل ما هو غير مباح من الوسائل والأساليب. كان يصعب جدا بل يستحيل تسليط أقل القليل من الضوء على تلك العتمة الثقيلة.

وعندما نشاهد مسلسلا مثل «العاصوف» فإننا نشاهد بداية إزاحة الستار عن تلك المرحلة بشكل علني من خلال الدراما، وبما أن لدينا روائيين ومتخصصين في علم الاجتماع وعلم النفس وباحثين في الأنثروبولوجي، وبما أنه ستكون لدينا صناعة وإنتاج أفلام سينمائية ودور عرض، وقنوات تلفزيونية منفتحة تقوم بإنتاج أعمال درامية فإن لدينا مادة خصبة للتغلغل في تفاصيلها بشكل علمي ورؤية واعية، من أجل التأريخ ومن أجل الوعي والثقافة، وحتى لا نعيد إنتاج أخطائنا بسبب التغافل أو التهرب من دراستها.