متجاوزًا علامات التعجب والاستفهام التي تتهاطل على خاطري كلّما لاحت بشائر الشّهر الفضيل، رمضان البشر والبشارات؛ ورأيت النشاط غير العادي الذي يغشى كافة القنوات العربية في سباق محموم لإنتاج المسلسلات الدرامية، التي توصم لفرط موسميتها بـ«الرمضانية»، وخمول هذه الدراما بشكل ملحوظ في بقية الشهور الأخرى، بما يحرّر جملة من الأسئلة، استبقت بالإشارة إلى أني سأتجاوزها، لكن لا مناص من طرحها؛ بريئة من نظرية المؤامرة، وحصينة من أيّ غرض سوى الرغبة في المعرفة، والوقوف على جلية الأسباب، وسأتركها معلّقة هنا، لعل وعسى أن تتبناها وسائل الإعلام والكُتاب في الصحافة في استطلاع عام للإجابة عليها، ولعلّ أبرزها:

* لأي غاية يزداد النشاط الدرامي العربي في هذا الشهر الفضيل؟

* ما هي الرسالة المضمرة التي يتحراها هذا النشاط؟

* ما هي المعوقات التي تقف دون ديمومة النشاط الدرامي بوصفه حاجة ملحة في ساحة الفن والثقافة؟

* على أي أسس اجتماعية –نظريًا أو عمليًا– جاء اختيار هذا الشهر ليكون موسمًا للدراما دون غيره من الشهور؟

متجاوزاً كل هذا، عابرًا إلى الغاية الأساسية من هذا المقال، وهي استكناه حالة التكرار الممل الذي يطرح سنويًا في هذا السيل الدرامي المنسال من كلّ قنواتنا الفضائية في شهر رمضان، فقلَّ أن تفتح قناة من القنوات ولا تجد مسلسلاً تكاد تجزم -لفرط المشابهة والتكرار- أنك قد شاهدته من قبل، بذات الوجوه، وذات الحبكة الدرامية.. ولا أتوقع جديدًا في موسم هذا العام أيضًا بالنظر إلى الدعايات والإعلانات التي سبقت العرض، «مبشرة» الجمهور بمسلسلات لا تخرج عن الموضوعات المعروفة والمكرورة: الثأر والانتقام.. والأزمات الاجتماعية من طلاق وعقوق وأخطاء الأبناء ومخالفات الآباء، وسوء المعاملة.. دراما تاريخية «يمثل» فيها علينا «المؤدون» بشكل يبعث على الأسى أكثر ما يبعث على الملل والضجر.. وكوميديا «تتمقرد» علينا، و«تستجدي» الضحك بمسخرة الجسد حينًا، وإسقاط التقليد على شعوب العالم الضعيفة، والمطلوب منا أن نقهقه ملء أشداقنا.. وغير ذلك من أنماط «التمثيل» مما مللناه منذ سنين، ويتم تدويره وإعادة إنتاجه مرة أخرى بتبادل الأدوار وتغيير الوجوه من محطة إلى أخرى، فمن أدى دورًا عاطفيًا الموسم الماضي، أُسند إليه دور شرير هذا الموسم، ومن لبست دور الخائنة قديمًا، خلع عليها لباس النبل والطهر والأمانة هذا الموسم، وهكذا؛ وعلينا أن «نصدق» بأن هناك جديدًا يطرح، ودراما تستحق المتابعة، وجهداً قامت به القنوات لإرضاء أذواقنا!!

قد أبدو مجحفًا في هذه النظرة السوداوية لماهية ما يطرح من عرض درامي في رمضان الكريم؟

لكن ربما يجد القارئ في استثنائي لبعض المسلسلات «المتعوب عليها»، بارقة إنصاف، فالذي لا مراء فيه أن هناك بعض الإشراقات الدرامية؛ هنا وهناك، تستحق ما يصرف عليها من وقت، قياسًا على جودتها وجدّة طرحها على مستوى الحبكة والسيناريو وجودة تجسيد الأدوار، ولا تخلو من بعض الهنات التي يمكن غضّ الطرف عنها، سماحة وتلطفًا، وإيفاء بالشكر لحق الاجتهاد..

على أن أكثر ما يثير استغرابي، ولم أجد له مبررًا أو مسوغًا مقبولاً هو اجتهاد الدراما في تجسيد سير القادة التاريخيين في أمتنا العربية والإسلامية، وعلمائنا في مجال اللغة والفنون والآداب وما إلى ذلك، ولكني لم أقف يومًا واحدًا على مسلسل أو عمل درامي لعلمائنا في مجالات العلوم التطبيقية كالطب والهندسة والرياضيات والفلك وغيرها من المجالات، التي تثبت كتب التاريخ أننا نحن العرب والمسلمين كنا الأبرع فيها وأصحاب السبق والريادة، ألم يكن من الأوفق والأكثر تأثيرًا أن تهتم الدراما العربية بهذا الجانب الحيوي والمهم، وتنقله من حيز «التاريخ المهمل» إلى «الواقع المعيش» ولو دراميًا، بخاصة أننا في زمن بتنا فيه عالة على الأمم في المجالات الحيوية والضرورية، فلعل مثل هذا الجهد يكون إبرازًا لمدى الإسهام الحضاري الذي قمنا به قديمًا، وانقطعنا عنه حديثًا، فالتركيز على هذا الجانب في درامتنا العربية من شأنه أن يؤدي إلى التوثيق للسبق التاريخي، وتذكير العالم الحالي بأنه في انطلاقته المهولة يستند على أسس رسّخ قيمها وأرسى قواعدها علماء عرب ومسلمون، وفي ذلك من الإشارة لنفاذ العقل العربي وقدرته الذهنية والعقلية على الإنتاج، وليس محطة للاستهلاك كمحصلة لضعف عقل متوارث، أو خمول ذهن جيني..

وثانيهما التحفيز واستثارة العقل العربي الوثّاب في عقول الناشئة والشباب اليوم للوقوف على ظروف وقدرات عقول الأسلاف، بما يشحذ الهمة، ويرفع من مستوى سقف الطموحات، بعيدًا عن حالة «التخميل» التي يركن إليها، و«استدناء» أفق الرغبات إلى محيط الملذات والاستهلاك الترفيهي الذي لا طائل منه..

إنها نوعية الدراما التي أفتقدها بشدة في كل موسم من مواسم شهر رمضان الفضيل، دراما لها ما قبلها من جودة التحضير، وبعد الأفق، ونبل الغايات، ولها ما بعدها في محصلة النتائج الإيجابية المحتملة، قياسًا على خلود رسالتها، واستمرار مترتباتها..

شبعنا من دراما الحب وخيباته، ومصائر القتل وثاراته، وجر التاريخ وأزماته.. «فكونا» الله يرحمكم، وامضوا بنا إلى أفق جديد، فقد سئمنا! أذاقنا الله حلاوة طاعاته وجعلنا ممن ربح في سوق الشهر الكريم.

* كاتب سعودي