-A +A
عيسى الحليان
تشير خريطة توزيع العاملين السعوديين في القطاع الخاص (الربع الثالث من عام 2017) إلى استحواذ قطاع التشييد والبناء على النسبة الأكبر بواقع 23.6%، بينما كانت النسبة الأقل من نصيب قطاع الزراعة والصيد بواقع 0.9%، وجاء في المركز الثاني قطاع التجارة الذي حظي بنسبة 21.5%، ومن ثم الخدمات الجماعية والاجتماعية بنسبة 19.9%، والمال والتأمين والعقار وخدمات الأعمال بـ11%، والصناعات التحويلية بنسبة 10.7%، والتعدين والبترول واستغلال المحاجر بنسبة 5.3%، والبريد والاتصالات بنسبة 4.5% والكهرباء، وأخيرا الغاز والمياه في المركز قبل الأخير وبنسبة 2.8%.

وهذه الخريطة تعكس جملة المتناقضات والتشوهات في قطاعات سوق العمل، فالزراعة التي تحتل ذيل القائمة بأقل 1% نجدها تستوعب قدراً كبيراً من العمالة في مختلف دول العالم، والنسبة هنا تتفاوت من دولة لأخرى، لكن نسبتها في العالم العربي عام 2017 بلغت 24%، وفي جنوب شرق آسيا 43%، فيما تنخفض النسبة في الدول الصناعية، حيث لا تتعدى في أمريكا ودول اليورو مثلاً 3%، ولأننا دولة غير زراعية فإن قطاعاً كبيراً يكون قد سقط من معادلة التوظيف في الداخل، رغم أن عدد العاملين في هذا القطاع من غير السعوديين بلغ 82.029 عاملاً، مقابل 16971 سعودياً، السياحة هي الأخرى التي تستوعب نسبة من العاملين في مختلف دول العالم لم تصنف في قطاع مستقل من حيث نسبة التوظيف لدى هيئة الإحصاءات العامة والتي أصدرت هذه النسب، وهذا يعني أنها ورغم كل التقدم الذي طرأ على مكونات السياحة في الداخل إلاّ أنها لم تستوعب نسبة موازية لمتوسط النسب في بقية الدول السياحية بسبب غياب السياح الأجانب وعزوف معظم السعوديين عن السياحة في الداخل، وهذا يعني أن ركناً آخر من مخزونات العمالة الوطنية لم يحقق النسبة المتوقعة أيضاً، ولم يتبلور قطاع بديل كالصناعة مثلاً، فالصناعات التحويلية رغم كل الحديث الذي يدور حولها منذ عقود والاستثمارات الكبرى التي وضعت فيها والدعم الكبير في الوقود إلاّ أنها لم تستوعب نسبة كبيرة من مكونات هذه العمالة كما هو ظاهر في هذه البيانات، وإن ساهمت في تحقيق التوازن بشكل لا يستهان به، أما النفط والغاز كقطاع تنموي تاريخي فإنه اكتفى باستيعاب 5% فقط، وهي نسبة قد تكون قليلة نسبياً إذا ما نظرنا إلى إنتاج المملكة وتاريخ هذه الصناعة، وإن كان يكفي من هذا القطاع كونه الممول الأساسي لكل القطاعات الأخرى.


الشاهد أنه لا بد من إعادة التوازن لهذه النسب لأن قطاع التشييد والبناء قطاع متحرك، والعمل على توزيع هذه النسب وفق خطة اقتصادية طويلة الأمد لإيجاد بدائل لهذه القطاعات والاستفادة من المزايا النسبية للبلاد وإطلاق إمكانياتنا الكامنة من عقالها سواء في مجال التجارة أو السياحة أو تجارة الخدمات لاستيعاب أكبر قدر من العاملين السعوديين في المستقبل.