بلا شك.. في حياة كل منا يوم أسود، أو على الأقل حادثة يحاول المرء جاهدا ألاّ يتذكرها، كذلك في حياتي حوادث سوداء، إحداها، ذكرّني بها مقال الزميل الأستاذ عبدالله خياط المعنون بـ«ضرب الحبيب «في» ولادة بركان» الذي تحدث فيه عن ميله إلى عودة عقوبة الضرب باعتدال في المدارس.

أعترف أنني من جيل نال عقوبة الضرب باقتدار سواء من والدتي، دوناً عن شقيقاتي، أو من المعلمة.. واعترف أن هذه العقوبة لم تؤثر في نفسي سلبا، بل كبرت وأنا أكثر إخوتي محبة لوالدتي وتعلقا بها، فأداعبها بين حين وآخر عندما أذكرّها بضربها لي أيام الطفولة المنقرضة.

أما الشيء الذي كنت أخفيه هو أنني مارست الضرب كعقوبة أوقعتها على طالباتي، عندما كنت معلمة. تذكرت- وأنا أقرأ مقال زميلي- تلك الظهيرة التي طلبت فيها من طالباتي التزام الهدوء في الصف لحين عودتي وإلاّ سأضربهن.. قلتها ضاحكة مازحة فطالباتي مراهقات ويسمعن كلامي والضرب ممنوع أيضا! لكن تلك الظهيرة كانت مختلفة وكأن طالباتي تعمدن أن يختبرن هزلي وجدي، فثرن في ممرات المدرسة وتراشقن بالماء، وفعلن كل الأفاعيل الممكنة التي لم تخطر على بال أن تفعلها طالباتي اللاتي يقدرنني ويعملن لي ألف حساب! كانت المواجهة بيني وبينهن حافلة باللوم العنيف من جهتي والصمت المترقب من جهتهن إلى أن استلت إحداهن مسطرة لمعلمة الرياضيات قائلة: اضربينا كما قلتِ!

أخذت المسطرة وسط فورة غضبي وبدأت أتحسس سطحيها وأطرافها كي لا تكون مكسورة ويؤذي خشبها أيديهن. فتحت لي طالباتي ستين كفا ممدودة للأمام بعد أن تمثلن قياما لتلقي العقاب الجماعي.. وبدأت بأولهن كانت أكثرهن نباهة، وبدأ ألمي مع أول ضربة تلقتها طالبتي النجيبة، فكنت أخفف الضرب إلى أن وصلت لتلك التي أكن لها ودا أكثر منهن، فنالت مني أشد وأقوى العقاب، كان وقت عقابي لهن مؤلما ومتعبا وشاقا على نفسي، لكن لابد لي من مواجهته ليميزن بين جدي وهزلي.

تلك الحادثة مرت بصمت ولم تأت الإدارة ولا المعلمات ولا أولياء الأمور على ذكرها، وكأنها لم تحدث، لأن طالباتي لم يخبرن أحدا ولم يشتكين، وكأن ضربي لهن فعالية من فعاليات الترفيه والمرح!.