توارى جملة من الكتّاب المعروفين والمؤثرين عن الساحة الصحفية، بعد أن ظلوا يثرون الساحة بطروحاتهم الفكرية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ويؤثرون في صياغة الرأي العام المحلي، مفسحين المجال أمام نظرائهم في أدوات التواصل الاجتماعي ممن يكتبون ويغردون بأسماء ومعرفات مجهولة، وهم الفئة الغالبة، أو أولئك الذين يكتبون بأسمائهم الحقيقية وهم الفئة الأقل، وذلك بعد أن أصبحت هذه الأدوات مصدر إلهام ثقافي واجتماعي جديدا يقوم على صياغة وهندسة جملة من المسلمات الفكرية والثقافية والاجتماعية، ولا ضير في ذلك إذا اعتبرنا أن لكل عصر آلياته المعرفية ووسائله الثقافية، بدءاً من مرحلة «الشفاهية» الموغلة في القدم، إلى مرحلة «العصفور الأزرق»، لكن الفارق هنا أن هذا الخلل والانفصام الثقافي لم يحصل في الثقافات الأخرى، حيث بقي للمؤسسات الثقافية والفكرية والصحفية كالصحافة والفضائيات ودور العلم دور هام في صياغة الرأي العام، ولم يحصل مثل هذا التحول الاجتماعي والثقافي الدراماتيكي لصالح هذه الأدوات الجديدة بعد الانغماس في بحورها الواسعة.

أعود لموضوعي الأساسي وهو انسحاب جملة من الأقلام الوطنية المؤثرة من الساحة على مدى سنوات، ولا أعرف ما هي الظروف والحيثيات التي جعلتهم يخلون مواقعهم الصحفية، وكان بودي أن أستعرض لكم بعض الأسماء الغائبة للتذكير لو أن مساحة العمود تكفي، وفي اعتقادي أن هذه الإشكالية جزء لا يتجزأ من مكونات أزمة الصحافة التي طرحها عميد الصحافة الأستاذ خالد المالك على صورة أزمة مالية، مترتبة على ضعف الإعلان وقلة التوزيع، وفي كل الأحوال فإن غياب مثل هذه الأسماء تباعاً يُعد خسارة كبرى لبلاط الصحافة المحلية وعدم تتابع الأجيال من الكتاب.

وهذا ما يتطلب في نظري عقد ندوة صحفية تقيمها هيئة الصحفيين السعوديين لمناقشة أسباب هذا الغياب المتواصل، وإيجاد حلول للصحافة الورقية عموما، وقد يكون من بينها رفع سقف الحريات الصحفية لتحقيق مبدأ التنافسية السوقية مع أدوات التواصل الاجتماعي وغيرها.

بطبيعة الحال، فإن الصيرورة المجتمعية وجدلية التاريخ لن تترك لنا خياراً في قبول هذه الأدوات أو رفضها، ولكن الخيار المتاح هو التفاعل معها بالدخول على خطها من ناحية، وتطوير الآليات المعرفية الموازية ومن بينها الصحافة من ناحية أخرى.