لا نستطيع إلا أن نتفق مع من يقول إن داعش صناعة أجنبية استغلت بعض المسلمين، غير أن المأمول أن يتفقوا معنا على أنه لم يكن لتلك «الصناعة الأجنبية» أن تنجح في تكوين دولتها واستقطاب المقاتلين تحت لوائها وتهديد دول وشعوب المنطقة لو لم تلق تلك الصناعة البيئة الخصبة والظروف الملائمة والمواد الأولية التي تكونت منها على مستوى الفكر وعلى مستوى الطاقة البشرية التي تمثلت في عشرات الآلاف من الشباب المسلمين الذين تهافتوا على الالتحاق بصفوفها والقتال تحت رايتها.

وإذا كان التحالف الدولي قد تمكن من القضاء على «داعش» فإن ضمان عدم ظهورها ثانية أو ظهور ما هو أشد خطرا وقبحا منها لا يمكن أن يتحقق ما دمنا نكتفي بالنظر إلى أن «داعش» صناعة أجنبية مبرئين بعض المسلمين المتشددين من توفير الحاضنة الاجتماعية والثقافية لهذه الصناعة، وأن نعترف أن هؤلاء ورثوا مفاهيم مغلوطة لحقيقة الإسلام أسهمت في إشاعة جو الكراهية والحقد بين أبناء المسلمين أنفسهم وليس بينهم وبين الآخر المختلف عنهم معتقدا وثقافة، كما أن علينا أن نعترف أنه لولا أحزاب ودعاة من المسلمين أنفسهم يحرضون الشباب على الجهاد ويدعونهم إلى مواطن الفتن ما توفر لداعش وقودها من الملتحقين بها ممن يتوهمون أنهم إنما يجاهدون في سبيل الله، كما أن علينا أن نعترف أنه لولا انهيار مفهوم الدولة الوطنية والأنظمة المدنية في بعض الدول العربية والإسلامية ما تيسر لدولة تدعي الخلافة الإسلامية ودعاة يبشرون بهذه الخلافة أن تجد من يناصرها ومن يرى فيها تحقيقا للحلم باستعادة المكانة المفقودة للمسلمين واسترداد حقوقهم المسلوبة.

«داعش» صناعة أجنبية بمواد من عالمنا العربي والإسلامي، وما لم نواجه أنفسنا، كمسلمين، ونعترف بدور بعض المتشددين من إنجاح هذه الصناعة فإن صناعات أجنبية أخرى سوف تظهر في المنطقة لتحقق ما لم تحققه «داعش».