لدينا إرث مؤسسي مدني عظيم ونموذج تاريخي رائد في مدن الحجاز السعودية لتصميم بيوت إيواء للنساء العجزة والمقطوعات والمعنفات، وهي العمائر التي تسمى تاريخيا «الأربطة» والتي كما هو واضح من اسمها بدأت كدور لإيواء الجنود المرابطين خارج المدن الإسلامية وعلى الحدود للتدريب على الحرب ثم شيئا فشيئا دخلت وسط الأحياء وبناها المحسنون من الأهالي وكانت تحت إشراف النساء من الوجيهات وبعضها أوقفها الخلفاء وعيّن عليها نساء ناظرات، تاركا لهن رعاية ساكنات الأربطة مثل الخليفة العباسي المستعصم بالله حين أوقف دار الشط بجوار قصره في بغداد وجعل مشيخته للشريفة أنَّة المهتدي بالله وهي التي كانت تتولى تعليم النساء في الدار وإرشادهن.

كما أنشأت فاطمة الأيوبية رباطًا وكتبت فوق بابه: «وقفت هذه «الخانكاه» الرباط فاطمة بنت الملك العادل محمد بن الكامل بن أبي بكر بن أيوب على المقيمات بها، وإظهارًا للصلوات الخمس والمبيت فيها».

وما زال في مدن الحجاز بعض الأربطة التي آوت عددا من النساء والأطفال المهاجرات من الأرياف أو ممن تعرضن للطرد والتعنيف أو ممن افتقرن بعد فقد الولي العائل. ومن ذلك ما رواه الفنان القدير محمد عبده في أحد البرامج حيث روى طرفا من سيرة حياته وأنه قدم مع أمه وأشقائه من الجنوب وسكنوا رباطا في جدة حتى عمل الصغار واشتد عودهم. كانت هذه الأربطة لا تعمل تحت مظلة وزارة كما يحدث الآن. بل كانت مؤسسات المجتمع المدني تتفقدها ويرعاها المحسنون.

وهذا مما جنبها كثيرا من الأخطاء التي يقع فيها مشرفو ومشرفات مؤسسات دور الرعاية لدينا. فهم يعاملون عملهم كوظائف يتقاضون عليها رواتب من الحكومة وليس خدمة اجتماعية تطوعية يتقاضون عليها الأجر والثواب من الله.