رغم أن ملف التنويع الاقتصادي ظل ولحقبة طويلة يحتل عناوين خطط الدولة المتعاقبة ويوضع في مقدمة الأهداف الاقتصادية التي كانت تتضمنها الموازنات العامة، إلاّ أن شيئاً من ذلك لم يتحقق طوال هذه الحقبة الطويلة، ولم يكن هذا السؤال ليطرح عن الأسباب التي حالت دون ذلك!!

ولو كان مثل هذا الموضوع مطروحاً للنقاش بجدية في ذلك الوقت لشكلت هذه الإجابة المقدمة الموضوعية للتعامل مع هذا الموضوع الهام بطريقة مختلفة ومواجهة هذه العقبات والتحديات بآلياتها وأدواتها المطلوبة كما حصل في هذه الحقبة السياسية، ولكسبنا وقتاً ثميناً نحن بأمس الحاجة إليه اليوم على الأقل لتجهيز البنى الهيكلية وتنقية الأنظمة والقوانين، والتدرج في تطبيق هذه الإصلاحات الاقتصادية التي كانت حتمية طال الزمان أو قصر، ولتجنبنا الوصول إلى هذا المأزق المالي الذي حدث بعد انخفاض أسعار النفط بشكل حاد والذي ورث تبعاته مجلس الاقتصاد والتنمية وما ترتب على ذلك من إجراءات لا مناص منها للتعامل مع الظروف التي فرضها الواقع، وهي التي كانت ستكون أسهل بكثير لو كان لها مقدمات متدرجة طوال ربع قرن.

ثمة أسباب سياسية وإدارية واجتماعية حالت دون تحقيق ذلك ولم يكن من الممكن القفز عليها لتحقيق هذا التنوع كما كانت وزارتنا تفعل عبثاً رغم إدراكها لهذا الواقع وهو الواقع الذي تعامل معه مجلس الاقتصاد والتنمية بطريقة مختلفة وبروح المسؤولية التاريخية لمواجهة الواقع كما هو دون مواربة، وعدم البحث عن حلول جزئية أو جرعات مسكنة لكسب الوقت خلال هذه المرحلة ومن بينها تكديس الديون على البلد إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً وربما كانت هذه هي الطريقة الاقتصادية التي كانت تتعامل إداراتنا المالية المتعاقبة مع أزماتها المالية.

اليوم تغيرت قواعد اللعبة السياسية والإدارية والاجتماعية، ففي المجال السياسي لم يعد للمتنفذين دور في سبيل الوقوف في وجه الإصلاحات الاقتصادية وتبعاتها، حيث عملت هذه الإدارة السياسية القوية لتكون داعماً ورافداً نحو هذا التحول الاقتصادي الكبير وتحمل كل النتائج المترتبة عليه لصالح أجيالنا القادمة، أما في المجال الإداري فكانت ثمة رؤى وبرامج مهنية تمت للتحول الاقتصادي تحمل معها آليات عمل محددة، خلاف كونها تتسم بروح المساءلة والمكاشفة، أما في المجال الاجتماعي فقد تم تحرير بعض السلع والتحول تدريجياً نحو قانون السوق، وبالتالي الخروج من شرنقة ردة الفعل الاجتماعي، والتي كانت أحياناً تقاوم هذه الإصلاحات أيضاً، وفي المجمل يمكن القول إنه لأول مرة يتم التعامل مع الجانب الاقتصادي دون طغيان أو هيمنة للجانب السياسي أو الاجتماعي، بعد أن ظل طوال تلك الحقبة الماضية هو الحلقة الأضعف والأهون بين هذه الدوائر الثلاث المتداخلة.