زادت وتيرة وحدة النصائح التي يقدمها صندوق النقد الدولي لدولنا العربية بشكل عام والدول الخليجية بشكل خاص. وبالرغم من عدم إلزامية هذه النصائح طالما أننا لم نتقدم بطلب الاقتراض من الصندوق، إلا أن مجمل هذه النصائح لو تم اتباعها يُحدث كارثة اجتماعية في منطقتنا لعدم واقعيتها، وثانيا لتوقيتها غير المناسب بعد أن قمنا بإجراء سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية في إطار تحقيق التنوع الاقتصادي الضروري بعد الانخفاض الكبير لأسعار النفط وحالة عدم اليقين التي تعيشها أسواقه العالمية.

وخلال أقل من شهر منذ توصية السيدة كريستيان لاجارد مديرة صندوق النقد للدول العربية في مؤتمر عقد في المغرب، والتي طالبت فيها دولنا الخليجية توسيع نظام الضرائب مُلمحةً إلى فرض ضرائب على دخول الأفراد والشركات، مضيفة السبت الماضي (4/‏5/‏2018) في كلمتها في اجتماعات صندوق النقد العربي المنعقدة في دبي ضرورة أن تُخفض الدول العربية من رواتب موظفي القطاع العام، إضافة الى زيادة أكبر في أسعار الطاقة وإزالة كل أساليب الدعم الحكومي المقدم لها.

وتأتي هذه النصائح في الوقت الذي قامت به الدول الخليجية بالتحديد بإعادة هيكلة اقتصاداتها، وفرض معظمها ضريبة القيمة المضافة، وتم ترشيد الإنفاق وفرض إجراءات تقشف أثرت في الطلب المحلي على السلع والخدمات نتيجة انكماش الإنفاق الحكومي، وتأثيره، والانخفاض الذي طرأ على إنتاجنا النفطي، على معدلات النمو الاقتصادي في دولنا، وانكمش تبعاً لذلك نمو القطاع الخاص.

إذاً، فإن نصائح صندوق النقد وإن اعترفت بما قمنا به من إصلاحات اقتصادية، فإنها تدفعنا - لو تم تبنيها - إلى إجراءات أشد قساوة غير آخذة في حسبانها الآثار الاجتماعية الناتجة عنها التي لا تعنيها أصلا. ونحمد الله أننا دائنون للصندوق غير مدينين، وإلا لفرضت علينا كل هذه النصائح.

نعرف أن الصندوق هو تحت سيطرة الدول الغربية، فالولايات المتحدة تمتلك حق الفيتو تصويتياً على أي قرار يتخذه الصندوق، وحتى الاتحاد الأوروبي وإن كان بدرجة أقل. وحتى حينما رضخ الصندوق لإجراء تعديلات في حقوق التصويت، أعطى نسبة تصويتاً أعلى قليلاً للصين وبعض الدول الأخرى على حساب حصة المملكة ودول أخرى، دون المساس بحصص الكبار التي رفضت التنازل.

ونجد أن الصندوق يتخير بعض السياسات المالية التي تخدم بدرجة رئيسية مصالح الدول الغربية. فعلى سبيل المثال، لم يتوقف الصندوق عن المطالبة برفع الدعم عن أسعار الطاقة. وبالرغم من وجاهة هذا الاقتراح حماية للموارد الطبيعية، إلا أنه يخدم مصالح الدول الغربية من خلال تحقيقها لأمن الطاقة وتقليص الاعتماد على ما يستورده العالم من النفط بالتحديد. والصندوق لم يخاطب ألمانيا وغيرها من الدول الغربية بإزالة الإعانات التي تغرق بها صناعات الفحم لديها؛ لأن هذا الإجراء قد يدفعها إلى استيراد مزيد من النفط.

إذاً، فنصائح صندوق النقد الدولي ليست بريئة في مجملها -كما تظهر-، وأنها مأخوذة من كتب المالية العامة، بل هي تخيرية يخلطها بأجندات المسيطرين عليه. وكم من دولة نامية عمت فيها الفوضى «الخلاقة» نتيجة لاتباعها نصائح الصندوق (الإلزامية عليها).

والنصيحة الغريبة من الصندوق للدول العربية بتخفيض رواتب موظفي الحكومة غير ممكنة بالنسبة لدولنا إطلاقا، وتدل على جهل الصندوق بتراكم آثار الإصلاحات الاقتصادية على المواطنين بالرغم من إجراءات تعويضية لم تقلل كثيراً من الآثار السلبية، نتيجة لارتفاع أسعار مختلف السلع والخدمات. وهي لا تأخذ في الاعتبار التباطؤ الشديد في النمو الذي يعاني منه القطاع الخاص والذي لا يمكن في الوقت الحاضر أن يكون بديلا لتوظيف موظفي القطاع الحكومي إن لم يقبلوا بتخفيض رواتبهم كما اقترح الصندوق.

وختاماً، أعتقد ان على حكومات دول الخليج أن تهمل تماماً نصائح الصندوق التي قدمت مؤخراً في كل من الدار البيضاء وفي دبي، وأن تستمر في نهجها الإصلاحي الذي تبنته، وإجراء المراجعات الدورية التي وعدت بها، وإن تتخذ من السياسات والإجراءات ما يلائم اقتصاداتنا، آخذين في الاعتبار الآثار الاجتماعية الناتجة عنها مع تبني بعض الإجراءات الإضافية التي تُحيد إلى حد كبير الآثار السلبية الناجمة عنها.

كما أن على دولنا الحذر من التوسع في الاقتراض الخارجي قدر الإمكان، فإن ذلك سيف قد يسلطه صندوق النقد الدولي على رقابنا في المستقبل دون رحمة، بحجج ظاهرها الخير وباطنها «السم الزعاف». ولا ننسى أن دولنا الخليجية قد غدت مليئة بالكفاءات والخبرات الوطنية المميزة التي ستكون بمثابة الموجه لقاربنا في رحلته 2030 حتى نصل به إلى بر الأمان بإذن الله، ونحن قادرون على ذلك دون النصائح المسممة من صندوق النقد الدولي أو من غيره.

sabbanms@