إشعاع حضاري بديع تجدد مع انطلاقة مهرجان الجنادرية في دورته الثانية والثلاثين برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ولطالما احتضن في عقله وقلبه - حفظه الله - التراث الأصيل لوطننا والفضاء الرحب للفكر والكلمة المسؤولة والإبداع، ويسقي جذورها ويعزز جسورها. ومن الجميل أن يقترن تاريخ الوطن وتراثه بحاضره ليرسم معالم الخطى نحو المستقبل.

هذا التلاقي يتجسد في رحاب المهرجان بجهد كبير من الحرس الوطني، ومشاركة نخبة مميزة من لجان الفكر والثقافة والفنون من المملكة، واستضافة شخصيات من الخارج تجمعها منصات حوار هادف حول قضايا كبرى بالمناقشة والخلاصات، ومن عناوين الفعاليات الثقافية: «التحول الوطني والتنمية الثقافية والاجتماعية»، «مكافحة التطرف ومواجهة الإرهاب في العالم»، «مصادر التشريع وأثره في توحيد الأمة» «توازن القوى وموقع المملكة في خارطة الاقتصاد العالمي.. رؤية المملكة 2030 وانعكاساتها على الاقتصاد السعودي»، «الرسالة العالمية السعودية.. العناية باللغة العربية»، «السنة النبوية نشأتها ومكانتها وأثرها في توحيد الأمة.. ومشروع خادم الحرمين في خدمة السنة نموذجا»، «مشاركة المرأة في الشأن العام وصناعة القرار في المجتمعات»، «الإعلام السياسي العربي.. صياغة المواقف وقيادة التحولات».

كلما ارتبط الفكر بالحضارة الإنسانية وأسهم في قيمها، حقق نفعها عظيما في إثراء الحضارة البشرية وكان أكثر انتشارا وتأثيرا وإن اختلفت اللغات والثقافات، وهكذا الإبداع والعلم في كل مجال. ومن ثم فإن مهرجان الجنادرية يؤكد أهميته كمرآة حقيقية لقيم هذا الوطن وجسوره الراسخة بالعطاء الحضاري الإنساني، وأن الفضاء الرحب للحوار هو سمة أصيلة في سياسة هذا البلد، في توازن رائع بين الهوية بثوابتها الدينية والقيمية، والانفتاح الرشيد والتواصل الواعي مع جديد العصر بلا حساسية ولا ضيق إلا من فكر ضال وأفكار هدامة.

تلك هي المعادلة الصعبة على كثير من الأمم والشعوب في كل زمان ومكان على امتداد المعمورة، خاصة في عصرنا الحاضر الذي أطلت فيه الفتنة والعنصرية بين إرهاب غادر يستهدف العالم، وتيارات إقصائية متطرفة في العديد من العواصم خاصة الغربية منها، وظهور أساليب جديدة لحروب خطيرة سلاحها مصائد الفكر الهدام عابر الحدود والقارات، ولا يصدها إلا الوعي الحصيف والتثقيف العميق بتحديات العولمة المفترسة لهويات الشعوب والأمم.

من هنا يتميز مهرجان الجنادرية بأنه ليس مجرد فعاليات، إنما قبس من مسيرة ونهج المملكة ومكانتها، وأهمية أن يستوعب كل مواطن معانيها بعقله ووجدانه وضميره الوطني، والفهم الأشمل لرسالة هذا المهرجان والرعاية الكريمة له، واستشراف بصماته داخل المملكة وخارجها كقوة ناعمة من عطاء وأدوات الوطن الذي هو قلب الأمة.

العالم اليوم بحاجة إلى هذه الروح، خاصة أننا في زمن صعب يتعرض فيه العالم لخطر التطرف والإرهاب والانقسام، وما تتعرض له المنطقة وشعوبها لمحاولات شيطانية من قوى إقليمية لإشعال فتن مذهبية واختطاف أوطان بفكر مذهبي ضيق متوحش كما تفعل إيران في اليمن وغيرها. لذا يتجلى الوعي الفكري كركيزة للمفهوم الشامل للأمن، ويتجذر ذلك بصحيح الدين وثقافة الاختلاف وجسور الحوار وفضاء الإبداع، بالقدر الذي نمسك فيه بأحلام وطموحات المستقبل بحس وطني قوي، وفي المهرجان الوطني للتراث والثقافة الكثير مما يدعو لتأكيد هذه المعادلة، ونرنو للغد بتفاعل يضيف أمجادا على أمجاد جيلا بعد جيل.