لا تصنع السياسات أخلاق البشر، ولكن يمكنها توجيهها. الأنبياء المؤيدون بالمعجزات لم ينجحوا مع كل أقوامهم، وليس هذا دليل فشل الرسالة أوعجز المرسل، بل تأكيد على أن النفسيات المعتلة لا يداويها الوحي.

أخطر ما في الشخصيات المعتلة، أنها لا تعترف بالعلة، ولا تقبل وصفها بذلك، علماً بأن العناد والإصرار على سلوك غير سوي، مدعاة للشفقة أكثر مما هو مدعاة للتشفي والاحتشاد ضد صاحبه.

نتراصف جميعاً في جبهة نقد الهياط، والنفور من المهايطين، كونه «نفشة كذابة» تعتري من تلبسه شعور بالنقص، والهياط ليس شأن عوام، وأنصاف متعلمين فقط، لأن مقدمة كتاب (كالنهر الذي يجري) للبرازيلي «باولو كويلهو» تؤكد على أن الهياط أممي، ونخبوي أيضاً.

يقول الكاتب: في سن الخامسة قلتُ لأمي، أريدُ أن أُصبحَ كاتباً، فأجابته بحزن: أبوك مهندس، وعمك طبيب، فادرس الهندسة وسيكون بمقدورك أن تكتب بعد ضمان المهنة. سألته: هل التقيت كاتباً يوماً ما؟ فأجاب: في الصور فقط، فأضافت: كيف تريد أن تكون كاتباً وأنت لا تعرف من هو الكاتب؟.

يقول: لكي أتمكن من الرد على أمي، قمت بالبحث، فوجدت وصفاً له بداية الستينات، فهو يضع نظارة، وشعره غير مصفف، ويمضي نصف وقته غاضباً من كل شيء، والنصف الآخر يقضيه محبطاً، يتحدث دائماً عن عمل قادم، يحرص على ألا يكون مفهوماً، ويكره الآخرين سراً.

وأضاف أن من طبيعته ترديد مصطلحات يجهلها كثيرون، منها (سيموطيقا، وفينومولوجي، وإبستمولجيا)، ويدّعي لثقافته الواسعة أنه يستطيع كتابة نص لسيدة وهو في القطار، أو الطائرة، أو المقهى، ليعزز علاقته بالأنوثة.

الأنكى أنه أورد وصفاً عده ظاهرة في يوميات المثقفين، إذ قال «يستخدم جملا صادمة منها (آينشتاين غبي)، و(تولستوي مهرج البرجوازية)، ومن هياطه النوعي أنه في محاضراته يتعمد استحضار أسماء كتب لم يسمع بها أحد».

عندما قرأت المقدمة، علمتُ أن الهياط أممي، وأننا لعلل عدة فينا نريد أن نعيش بأقنعة نواري خلفها وجوهنا الحقيقية، وإذا كانت النخبة تهايط، فلا حرج على البقية، وإذا كان الهياط موجودا في الغرب فلماذا نستكثره على الشرق؟.