د. مكارم صبحي بترجي
يسير الإنسان عادة وراء هواه في حب الناس وبغضهم، ويحكم أغراضه وأمياله في الرضا عنهم وكرههم، ولا يوجه حبه وبغضه في وجهة الحق والعقل والدين، فكم من رجل يحب امرأة لجمالها وإن كانت مجردة من حسن الخلق، وكم من رجل أضاع أهله ونفسه ويضيع شبابه وماله، كم من امرئ يحب شخصاً فاسداً يعلمه الإجرام والمنكر ويسايره على الضلال والمعاصي ويكره شخصاً ينصحه في دينه ويعظه فيه ويرشده للحق، كم من مرؤوس يحب رئيسه لأنه يسهل له الوشاية بزملائه ويسمع لطعنه في إخوانه ويكره الرئيس الحازم الذي لا يسمع الغيبة ولا يرضى النميمة، وكم رئيس يحب المرؤوس المتملق المنافق ويكره الصريح المخلص، كم من بيوت خربها الحب الأعمى.

لهذا وضع الإسلام ميزاناً للحب وحد حدوداً للرضا والسخط حتى لا تضيع الحقوق ولا تفنى البلاد بين حب أعمى وبغض عقيم، وتدخل الإسلام في الحب والبغض يمنع شرها ويوقظ خيرها ويجعلها سلاحين من أسلحة الحق وإسعاد الناس.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن أوثق عرى الإسلام أن تحب في الله وتبغض في الله»؛ وتحقيقه في واقعنا هو المقياس الشرعي السديد تجاه الناس بشتى أنواعهم، والحب في الله والبغض في الله هو الحصن الحصين لعقائد المسلمين وأخلاقهم أمام تيارات التذويب والمسخ. فالحب في الله والبغض في الله من مكملات حب الله عز وجل، وحب الرسول صلى الله عليه وسلم، فالإسلام يربط أتباعه برباط الحب الذي يُوجِد المجتمعَ المتحاب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن عن الوسائل التي تُقوي هذا الحب، وتَزيده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم! أفشوا السلام بينكم». وورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرسل الله له على مدرجته ملكا، فقال: «إن الله قد أحبك كما أحببته فيه».

بل تجلب محبة الملأ الأعلى أجمعين مع القبول في الأرض: ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا أحب الله عبدا دعى جبريلَ فقال: يا جبريل! إني أحبه فأحبه. فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريلُ في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه. فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض».

ولأن الحب في الله والبغض في الله يراد به وجه الله، والله سبحانه وتعالى هو الباقي الدائم، فلهذا ما كان لله يبقى، أما ما لم يكن لله فهو يضمحل، فالشخص الذي يحب آخر من أجل الدنيا فإن هذه الرابطة تنتهي وتفنى وتتقطع، بل إن هؤلاء لا يبعد أن يتعادوا.

ومن آداب المحبة في الله: حرص الإسلام على القواعد التي تجعل هذا الحب واقعا ملموسا يعيشه المسلم، ويستظل به في هذه الدنيا، التعبير عن هذا الحب لفظا قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ». وهذا توكيد لهذا الحب، وإعلامٌ للغير به، حتى لا يكون هذا الحب من طرف واحد؛ فالإسلام يشيع الحب بين أتباعه حتى يكون المجتمع متآلفا. وعن أنس رضي الله عنه أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمر رجل به فقال: يا رسول الله، إني أحب هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أأعلمته»؟ قال: لا، قال: «أعلمه»، فلحقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له.

وعن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: «يا معاذ والله إني لأحبك... إلى آخر الحديث».

فما أجمل أن يبني بنو البشر جسور المحبة وتوثيق العلاقات فيما بينهم على مبدأ الحب، ونملأ الدنيا حبا مباحا يدخلنا جنات النعيم.

Mkarem@Sgroup.net