بدر عبدالعزيز
جثمت التيارات الدينية على المجتمع لعقود عِدّة، اتسمت بالتشدد في فقه الفرد، واستمدت قوتها من قلة وعي السواد الأعظم بضرورة التوازن والتعدد، استخدمت أدوات جامدة مقلّدة، لا تجديد فيها ولا إبداع، ولا صلة لها بالبحث والقدرة على الاستنباط والتكيف مع المتغيرات، تدافع أفرادها للتأثير على المزاج السائد حينها بكثير من الترهيب وقليل من الترغيب، زادت في الدين ما ليس فيه بحجة جلب المصالح ودرء المفاسد، وغاب عنها عمداً أو باجتهاد خاطئ أن لا يُشاد الدين أحد إلا غلبه، وأن الدين اكتمل قبل وفاة سيد المرسلين، ساد نهجهم حتى بدا لهم أن كل ما هو ظاهر هو حقيقي بالفعل، فكل ما استنكرته أعينهم خطأ وانحلال.

وكل ما ألِفُوه صحيح وثابت، حتى أصابهم الجمود فانهار عليهم السقف واتضح أن همهم كان الوجود لذاته لا الوجود لأجل ذاته.

وظهر الآن على السطح تياران متباينان؛ الأول متزن يرى الانفكاك من تشدد التيارات الدينية بسيط لا يحتاج لتمهيد، بل مجرد البدء من نقطة فناء التشدّد المشوّه، ونقد وتقييم يستمد عونه من التجربة الجديدة نفسها، فيكون معيار الصواب والخطأ ذاتيا غير مرتبط بالتركة السابقة.

والتيار الآخر عبارة عن ردة فعل عنيفة تزدري الموروث الديني والأخلاقي نفسه، وتمجّد بهمهمة غير ذات معنى كل السلوكيات المناوئة للتركة السابقة، وكأن كل سلوك شاذ تقدمت عليه علّة التشدد لتخرجه للوجود وتبوء بإثمه!

إن الوجود لا يعني فقط التغيير، بل التغيير للأفضل، ويكون ذلك بقدرتنا على معرفة الأصلح للمجتمع، فالصلة قوية بين الوجود والمعرفة من خلال البحث في طبيعة المبادئ الأخلاقية وقيم المجتمع لا سلوكياته وردات فعله، ومحاولة غرس هذه المبادئ في التجربة المجتمعية الجديدة، حتى لا يؤدي تراكم الانحرافات القليلة لهدم قيم المجتمع من جذوره.

Badr.alghamdi.kfsh@hotmail.com