أضحت قضية عقد الصفقات والتآمر مع الدول العظمى ضد المنطقة العربية أهم سمات الدولة الفارسية عبر التاريخ. فبعد المؤامرة الكبرى التي راحت ضحيتها ست إمارات عربية في الضفة الشرقية للخليج العربي في بداية القرن الماضي، وهي القواسم والبوعلي والمرازيق والعبادلة والمنصور والمحمرة، تتفاخر طهران بسيطرتها على أربع عواصم عربية أخرى وهي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، نتيجة المؤامرات التي استهدفت المنطقة العربية، ولعبت إيران دورا بارزا وملموسا فيها.

اعترفت طهران أكثر من مرة بتعاونها ومشاركتها مع الولايات المتحدة الأمريكية في حربها الأخيرة التي أطاحت بنظام حركة طالبان في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق. وهذا يعكس مدى تطابق الأهداف وتقاطع المصالح بين طهران وواشنطن في منطقتنا العربية.

ورغم العداء المعلن بينهما وضجيج التهديد الذي بدأ منذ ثورة عام ١٩٧٩ في إيران، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتسليم العراق إلى طهران وغضت الطرف عن كل ما تفعله الأخيرة في المنطقة من سياسة تدميرية تحت ذرائع عديدة. كان ذلك تحقيقا لمصالحها الحيوية التي تخطط لها دائما في مطابخ المؤسسات والمراكز السياسية والأمنية ذات البعد الإستراتيجي.

يقال «ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم في عالم السياسية، بل هناك مصالح دائمة»، لكن رغم ذلك لم يخطر على بال أحد سيناريو تسليم الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل حليفها الأول والإستراتيجي أو كما يقال «ابنها المدلل» في الشرق الأوسط إلى إيران. وعلى ما يبدو حتى طرح مثل هذا الأمر أو التفكير به يعتبر ضربا من الخيال.

لا يمكن تطبيق سيناريو العراق أو سورية على إسرائيل لعدة اعتبارات وإيران تعرف هذا الأمر أكثر من غيرها. لكن لماذا قامت إيران بترويج تصريح قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني القائل «لسنا قلقين من سياسة ترمب. جورج بوش سلمنا العراق، وأوباما سلمنا سورية وترمب بعون الله سيسلمنا إسرائيل». ولم تكتف إيران بترويج هذا التصريح في إعلامها المرئي والمقروء والمسموع فحسب، بل نصبته على لافتات عديدة في الطرقات والمدن الإيرانية. والغريب في الأمر لم يقل قائد فيلق القدس سنحرر فلسطين ومهمة فيلقه هي تحرير القدس، لطالما غنت طهران على جراح القدس طيلة أربعة عقود.

بغض النظر عن الأسباب والدوافع الداخلية والإقليمية والرسائل التي تحملها مثل هذه التصريحات الغريبة، يعتبر هذا التصريح اعترافا رسميا من أعلى مسؤول عسكري إيراني مهمته العسكرية خارج حدود البلاد، بالتعاون العسكري والسياسي والأمني مع الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة والدور التي لعبته الأخيرة في تسهيل سيطرة إيران على العراق وسورية. ويحمل هذا التصريح العديد من المعاني والدلالات أهمها:

أولا: اعتراف صريح بأن إيران هدفها السيطرة على دول المنطقة، وليس الدفاع عنها ومناصرة المستضعفين، كما تدعي ذلك منذ أربعة عقود.

ثانيا: ينفي هذا التصريح بشكل قاطع كل ما تدعيه طهران بأن واشنطن تقف خلف المؤامرات التي تستهدف أمنها واستقرارها الداخلي والرامية إلى إسقاط النظام الإيراني.

ثالثا: يثبت هذا التصريح بأن طهران ليست من الدول الممانعة بوجه التدخل الأمريكي في المنطقة كما يروج الإعلام الإيراني والإعلام المنساق خلفه، بل يثبت العكس تماما.

رابعا: أنكرت إيران بهذا التصريح وعلى لسان قائد فيلق القدس وجود فلسطين واعترفت بوجود إسرائيل عكس ادعاءاتها وصراخها في تحرير فلسطين.

كانت إيران تطلق على إسرائيل «الكيان الصهيوني» فماذا تغير خلف اعتراف إيران بإسرائيل. هل هناك اتفاقات سرية جديدة قد حصلت بينهما، والتلويح بسيطرة طهران على تل أبيب هي شماعة جديدة لخداع البسطاء من القوم؟ أو بغرض عرض عضلاتها الخاوية والتي لولا وقوف واشنطن في العراق، وروسيا في سورية معها لتمزقت منذ فترة طويلة تحت ضربات المقاومة العربية، كما هو الحال في اليمن السعيد.

* باحث في الشأن الايراني