ورحل سراج عمر الموسيقار الذي صنع الخلود لعشرات الكلمات، وأسهم في بروز العديد من الفنانين ومجد الوطن بصوت عذب دافئ.. هو رحيل حتمي كل منا سوف يسلكه، وحين نتباكى على رحيل الفنانين والأدباء هو تباكي موت خصلة الوفاء من قبل المؤسسات الراعية للأنشطة الفنية في البلاد.. هذه الجهات تتكئ مكانا مرتفعا من غير أن تبذل جهدا لصيانة كرامة الفنان حين يعجز أو يصل إلى آخر العمر من غير وجود مصدر أو دخل معيشي يمكنه من إكمال حياته مرفوع الرأس..

وكثير من الأدباء والفنانين كانت أواخر حياتهم تدعو للرثاء، لعدم وجود دخل يكفيه السؤال أو التكفف، وكم هي القصص التي يتناقلها الناس، أن فنانا أو أديبا لم يجد مبلغا لتسديد فاتورة كهرباء أو لا يستطيع التنقل لعدم وجود وسيلة مواصلات أو لا يستطيع دفع إيجار سكنه أو أن دخله التقاعدي المتواضع لا يكفيه في تدبر حال أسرته لنصف شهر... حالات كثيرة من الهوان تكون هي نهاية ذاك الذي ملأ أسماع الناس وكان شاغلهم وقد انتهى به المطاف إلى حالة التكفف..

فأي المؤسسات الحكومية ألقت بالا حينما سمعت أن الفنان سراج عمر أودع مكتبته الفنية إلى مرمى النفايات، احتجاجا صريحا على عدم إعطاء الفنان حقه من التكريم، وفي مقدمة هذا الحيلولة بينه وبين السؤال..

وكم هي الدعوات التي نادى بها الكتاب من أجل إيجاد صندوق الأديب، لكي يكون داعما لمن ضاقت به سبل العيش، دعوات كثيرة ابتلعها الإهمال تاركا (ضمير الأمة) يعاني من شدة الضائقة المادية.. وإذا تُرك (الضمير) عاجزا فلا يلومن أحد تكسب دخله المعيشي نفاقا أو تملقا، فالحياة تريد ملء البطن قبل الدفاع عن الحق والعدل..

إن غياب المؤسسات الراعية للثقافة والفنون عن تقديم الدعم لمن ينتمي لحقول الثقافة والفن، هو ملف بحثي ظل غائبا عن الاهتمام، والعارف ببواطن الأمور يعرف تماما أن تلك المؤسسات لا تكفيها ميزانيتها لأداء دورها التثقيفي خلال عام واحد، أي أن تلك الجهات هي أيضا بحاجة لأن نتباكى معها على عجزها وقلة حيلتها، وإذا كانت هذه هي حالة تلك المؤسسات الراعية فمن باب أولى أن تكون نهاية الفنان أو الأديب المعيشية نهاية تكفف.

ولعدم وجود المؤسسات المدنية لحماية هذه الفئة من السؤال يصبح لزاما المطالبة بوجودها، وأن تكون هيئة مستقلة تسهم الدولة في دعمها أو أن ينشط المجتمع ويسهم أرباب الأموال في هذا الدعم إن أردنا بقاء الضمير الانساني حيا.. أما إن لم نرد ذلك فدعوا مجرى التملق سالكا وليفهم كل من اشتغل بالفن أو الأدب أن عليه اختيار مسجد ليكون فرشته الأخيرة من أجل مد اليد...