من خصوصيات المملكة - الإيجابية - أنها الدولة العربية التي تدفق عليها العرب بأعداد كبيرة جدا في مرحلة الطفرة الأولى وعاش كثير منهم لدينا فترة طويلة في مهن مختلفة، منهم أساتذة جامعات ومثقفون ومبدعون وإعلاميون وصحافيون، ولو ضربنا مثلا بدولة كبيرة مثل مصر فإنه بلا شك كان لدينا عدد كبير منها في المجالات السابق ذكرها. وأما الدول الإسلامية فإنه بحكم احتضان المملكة للحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة فقد حرص كثيرون منها عربا وغير عرب على الإقامة لدينا من خلال البحث عن فرص عمل في مجالات لا تقل أهمية وتأثيرا لناحية التأثير في المجتمعات.

مثل هذه النماذج التي عاشت الواقع السعودي وتعايشت معه لفترة طويلة من المفروض أن تكون ذراعاً مهمة في القوة الناعمة السعودية، لكننا للأسف لم نحسن استثمارها لأكثر من سبب، منها عدم اهتمامنا أساساً بهذا الموضوع وإهمالنا له، وكذلك وجود نظرة فوقية لدى كثير منا تجاه الأجانب المقيمين لدينا مهما كانت كفاءتهم وأهميتهم. هؤلاء عندما يعودون إلى بلدانهم تنقطع صلاتنا بهم، ولا نحاول الإبقاء على أي شعرة تربطنا بهم كمؤسسات وجهات مسؤولة عن الصورة الذهنية لوطننا لدى الآخرين، رغم أنهم يعرفون مجتمعنا جيدا ويرغبون بصدق الوقوف بجانبه في الأزمات السياسية والدبلوماسية بمخاطبة شعوبهم بلغة الصدق والمعرفة التي تدحض المعلومات المغلوطة وادعاءات الأبواق الإعلامية المأجورة والتكتلات التي تستقطبها جهات لها مواقف معادية للمملكة.

حدثني أحد الصحافيين والمثقفين العرب الذي عاش لدينا أكثر من عقدين في مجال الإعلام والصحافة وله علاقات وثيقة بالنخبة الثقافية والإعلامية السعودية ويحمل حبا صادقا للمملكة أنه يحاول إنعاش علاقته بنا من خلال التواصل وحضور الفعاليات الثقافية، ويحاول كذلك تفنيد كثير من اللغط الذي يبثه البعض بحقن معلومات مسمومة عن المملكة في وطنه بحكم مهنته وموقعه وعلاقته بالوسط الإعلامي والثقافي، لكنه لا يستطيع ذلك بسبب ما يشبه الانقطاع من جانبنا ممثلا في المكاتب الإعلامية والصحافية والثقافية في سفاراتنا. بل إنه وأمثاله يجدون العنت الشديد حتى لو حاولوا بمبادرة ذاتية منهم مشاركتنا في بعض الفعاليات المهمة داخل المملكة، إذ يصعب عليهم الحصول على تأشيرات ناهيكم عن تذكرهم بدعوات للمشاركة.

هذا الإسراف في إهمال عناصر قوتنا الناعمة من الداخل والخارج كان له سبب مهم في استطاعة الغير التأثير بصورة سلبية عنا لأنه لا يوجد من يصححها، وهذا خطأ كبير تصحيحه لا يكلفنا كثيراً إذا انتبهنا له.