مجحود كائن قروي، مبرمج على العمل. مزرعته كيانه المقدَّس، يتقن رصد مواسم البذر والحصاد. يستيقظ مع صياح الديك، ويحمل مسحاته فوق كتفه، وينزل الوادي، لا تنفر منه طيور الفرفر، ولا تخشاه الثعابين، ولا تلدغه العقارب، يجول في الحقل بقدمين حافيتين في كعبيهما أخاديد يرقعها أحيانا بإبرة خيش.

رأى الفقيه سارحاً بالثيران، والسحب والمصلبة فوق الحمارة، سأله: وين غادي؟ قال: وش عليك مني. قال: لا تحرث إلا بعد الظهر، هذا نهار متناصف، فلم يعره اهتماما، وعندما أحقلت الذرة، كانت عذوق حرث الصباح ضعيفة ومتناثرة، فكان مجحود يقهقه ويردد «علّم في المتبلّم».

اشترى مجحود رحى كبيرة للطحن، وجاء بحمار صغير يديرها، وركب في رقبته قلقلة، ليعرف إذا غفل عن حماره أنه توقف عن تدوير الرحى، قال الفقيه: طيب لو وقف الحمار وهز رقبته، وش أدراك عنه؟ فرد عليه: الحمد لله أن حماري أعقل منك وما عنده خباثة كماك.

أصاب مجحود ألم في ركبتيه فتبرع أبو سعيد بمداواته، حفر حفرة في ساحة البيت، وطلب رملاً وملحاً ورماداً خلطها ونزّل مجحود إلى صدره واقفاً ودفنه، طلب مجحود من مرته تقرب الحسيل، وتخرج عقدة قصيل وحزمة برسيم، وبدأ يلقّم، طلّ عليه الفقيه من فوق سقف بيته، وقال هيا نغدي نستسقي. قم صل معنا يمكن الله يفرجها علينا؟ قال: يا المغزول أنا في إيش وانته في أيش، ما تشوفني مقبور، وإذا نوى ربّك يفرجها ما بيربطها بركعتين من مجحود، ما تسمع الرادي، الأمطار ليل نهار على ديار ما ياهب أهلها لله ركعة.

نزل الفقيه منفعلاً واقتلع مجحود القصيّر من الحفرة، وعلّقه بكربته، وصل صوتهما مجلس العريفة. بدا من الشباك، والفقيه يصرخ: يا عريفة والله لأذبحه، أجابه: فك في العلم يا فقيه. قال: يغلط علينا وتقل أفك في العلم، طلب منهما أن يصعدا إليه في الطيرمة. هدأهما وصب القهوة المحوّجة، وأخذ يطيب خاطر الفقيه، ويردد على مسامعه كلاماً طيباً. فرضي، وقال حشمتك يا عريفة كل شيء يهون، قال مجحود «آقول إنته لحية ترضيها بصلة». علمي وسلامتكم.