يعتبر التلهف على اكتساب المديح والثناء ضعفاً نفسياً يعاني منه المتلهف لاسيما إذا ما وصل به الحال إلى مرحلة استجداء المديح وطلبه «بسيف الحياء» من الآخرين، فهو إن كان ذا وظيفة إدارية أو مالية عامة سعى إلى كسب المديح عن طريق افتعال المناسبات والدعوات والحرص على حضور رجال الصحافة والإعلام والمجتمع حتى يستمع إلى ما يثلج صدره من ثناء ويقرأ ما يكتب عنه وعن نشاطه من مديح، وإن كان ذا نشاط اجتماعي فإنه يجند من يتحدث أو يكتب عن مآثره وأعماله الجليلة وما يبذله من صدقات ومساعدات فهو لا يكتفي بأن تعلم شماله ما تنفقه يمينه بل يسعى جاهداً لأن تعلم أيمان وشمائل جميع أهل البلدة ما أنفقته يمينه، بل إن الإنفاق نفسه قد لا يصل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي وإنما يكون مجرد إعلان عن تبرع أو مشاركة في عمل خيري أو اجتماعي ثم لا يكون ثمة وفاء بما تم الإعلان عنه أمام ملأ من الناس!

وهناك من الموظفين من لا يرتاح إذا لم يشاهد صورته بشكل دائم في الصحف ووسائل الإعلام وفي مقدمتها الصحف الورقية، فإن لم يتحقق له ذلك وقف متحسراً وقفة طويلة أمام المرآة لعله يعوض نسبياً اختفاء صورته في وسائل الإعلام مردداً المثل الشعبي الحجازي القائل «اللي ما يلحق الحج يتدرمغ في ترابه» وشيء أحسن من لا شيء!

أما إذا انحسرت الأضواء والصور والمصورون تماماً عن أحد هذه الفئة من الناس، فإن الاكتئاب المزمن سيدركه، فيسمعه من حوله وهو يقص عليهم ما كان يتمتع به من أضواء وحضور إعلامي متهماً الجميع بالجحود والنكران، وقد يجد من يستمع على مضض عن إنجازاته الباهرة وأنه كان وكان وكان مع أن كان فعل ناقص وصاحبه كذلك!

أما أسوأهم خلقاً وأقلهم بركة فهم الذين يُحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، لأنهم ظلوا في مواقعهم يعقدون الأمور ويطبقون البيروقراطية ويتفنون في تعذيب أصحاب الحاجات من المراجعين، ومع ذلك فإنهم يتوقعون من الناس أن يشكروهم على ما بذلوه من جهد خلال عملهم الرسمي، مع أنهم عندما أخرجوا من أعمالهم صحبهم دعاء مرير بألا يرى أحد وجوههم الكئيبة بعد ذلك في أي موقع وظيفي أو اجتماعي آخر!

mohammed.ahmad568@gmail.com