في كل عصر وفي تجربة حياة، هناك صنفان من الناس، فلسفتهما في الحياة والعمل مختلفة والفوارق التي بينهما قائمة حتماً على التناقض والتباعد.
أما الصنف الأول فإن فلسفته في العمل تقوم على الدراسة، والتخطيط، وتحكيم العقل والعلم والاجتهاد في العمل دون النظر إلى عمل الآخرين، والبعد عن تحكم الذاتي، والعاطفي.
ولذا فإن الاستمرار في العمل، والنجاح فيه يكون حتمياً بلا شك، لأنه مبني على العقل والعلم لا الهوى والعاطفة.
والاستمرار في العمل، والنجاح فيه بهذا المفهوم لا يكون إلا بعد مراحل شاقة، وبلوغ درجة عالية من الرقي والنضج، سواء في ذلك النجاح الشخصي، أو النجاح الاجتماعي.
وأما الصنف الآخر فأساس فلسفته في العمل تقوم على النظر إلى عمل الآخرين ممن سبقوه للحط من شأنهم، والتقليل من نجاحاتهم، وإظهار هفواتهم وهناتهم التي لا شك موجودة، لأن النقص من سمات البشر -وإظهار الهفوات والهنات لا للإفادة منها، ولكن للتشهير بسمعة الآخرين، والنيل منهم، وتشويه صورتهم.
وهذا الصنف من الناس يسلك سلوكيات ممقوتة للوصول إلى مآربه، مثل: النفاق والكذب، والرياء والتملق... وهي صفات نهانا عنها ديننا وأبغضتها عاداتنا وتقاليدنا. وهذه الصفات لا توصل إلى النجاح أبداً، وإن أوصلت إليه مصادفة فإنه يكون لوقت قصير سرعان ما يزول.
وليت هذا الصنف من الناس يفهم أيضاً أن من أسباب الاستمرار في العمل، والوصول إلى النجاح فيه، البعد عن الهوى، والعاطفة، وتحكيم العقل والعلم مكانهما.
إن النجاح المبني على الاستهزاء من عمل الآخرين. والحط منه، والنيل من عملهم لا يدوم، فالنجاح الدائم هو ذاك الذي ينأى بالفرد عن الوقوع في مثل هذا المستنقع من الصفات الممقوتة.
والذي يدعو للأسف حقاً أننا نجد هذا السلوك الفردي قد كثر واستشرى خطره، وأخشى ما أخشاه أن يصبح نموذجاً يحتذى، لأن الفرد -كما يقال دائماً- عماد المجتمع، وأساس بنائه.
ولذلك فإنني أرى الذين يسعون إلى النجاح في عملهم يدركون أن الإخلاص في تأدية هذا العمل، والاعتماد على العقل والعلم، لا الهوى والعاطفة والبعد عن التجريح الدائم للآخرين، والتقليل من شأنهم هو من أهم أسباب النجاح والاستمرار فيه.
ولنا فيمن سبقونا من الأدباء والعلماء نموذج، فعلى الرغم مما كان بينهم من أسباب الاختلاف، إلا أن هذا الاختلاف كان دائماً مبنياً على الاحترام والتقدير، والإشارة دائماً إلى حسن صنيعهم.
ولنا كذلك في نبينا الكريم الأسوة الحسنة، فعلى الرغم من أنه خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسالته آخر الرسالات إلا أنه جاء من أجل تتمة الرسالات السابقة، واحترام كل ما جاءت به، فلماذا لا نتحلى نحن الآن بمثل هذه الصفات التي تشيع روح الود والإخاء، وتبعث دائماً على الرقي والتقدم.
Dr_Rashed@hotmail.com