«عكاظ» (جدة)
حذر المستشار والباحث الاجتماعي سلمان بن محمد العُمري من انتشار ظاهرة الطلاق في المجتمع السعودي، بعدما شهدت المحاكم أحكاما في قضايا الطلاق بلغت 53675، خلال العام الماضي 2017، بمعدل 149 حالة طلاق يوميا، إضافة إلى 6163 حالة صادرة من مكتب الطلاق الخاص بمفتي المملكة، بمعدل (125 إلى 130) قضية أسبوعية، وبزيادة 846 قضية عن عام 2016.

وأكد العُمري، في منتدى العمري الثقافي، أن مئات الطلاقات لا تسجل في المحاكم، مشيرا إلى أن دراساته تؤكد أن نسبة حالات الطلاق في مجموعها قد تصل 40 - 45% من عقود الزواج البالغة 159386 عقدا خلال العام الماضي، ما يستوجب ضرورة معالجة الظاهرة بعد تفشيها بشكل كبير في المجتمع السعودي، للحد من تفاقمها والوقوف على أسبابها وآثارها السلبية، للحيلولة دون نبذ المطلقات مجتمعيا، وتعرض المطلقين للأمراض النفسية.

مستندا على إحصاءات وزارة العدل، التي تعد الطلاق مشكلة اجتماعيةً تحتاجُ إلى المزيدِ من الدراساتِ العلميةِ الميدانيةِ لمحاولةِ الحدِ من تفاقمها، وتتطلّبُ ضرورةَ تضافُرِ كافةِ الجِهود الحكوميةِ والأهليةِ والخيريةِ أفراداً وجماعات للإسهامِ في معالجةِ مشكلات تزايد الطلاق في المجتمع.

واستدرك الُعمري: هناك المئات من حالات الطلاق لم تدون أو تسجل في المحاكم، مضيفا أن الطلاق ظاهرة اجتماعية لها جذورها التاريخية وقد سادت لدى الأمم القديمة، واتخذت صوراً وأشكالاً مختلفة، وغلب عليها الظلم وعدم الإنصاف والفوضى. مؤكدا أهمية استقرار الأسرة كأساسٍ لاستقرارِ المجتمع وحَفِظَ للرجلِ وللمرأةِ حقوقهما على حدٍ سواء.

أثر سلبي لوسائل التواصل

وأردف: الطلاق أبغض الحلال إلى الله، وقد حذر منه الإسلام وكشف خطورته ومساوئه، خصوصا أن الله شرعه في ظروف معينة لا يجوز تجاوزها وتعديها، لما فيه من خطر جسيم على بنيان الأسر وحياة أفرادها وخصوصاً الأبناء، دون أن ننسى الزوج والزوجة بطبيعة الحال. لاسيما أن المجتمع السعودي والمجتمعات الخليجية شهدت تغيرات واسعة في العقود الأخيرة أثرت في بنيتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بعد تسارع معدلات التغير الاجتماعي نتيجة عوامل عدة كانتشار وسائل الاتصالات والمواصلات الحديثة، وتكوين المجتمعات الحضرية. والتحول إلى حياة المدن، والتعليم والعمل في أدوار مهنية جديدة، وانفتاح المجتمع على ثقافات أخرى. وهذه التغيراتُ أدت إلى تغيراتٍ مهمةٍ في بناءِ الأسرةِ ووظائفها بل إن النسقَ الأسريَ كان من أكثر أنساق البناء الاجتماعي تأثرا بهذهِ التغيراتِ التي تجلت بصورةِ زيادةٍ عاليةٍ في معدلاتِ الطلاقِ بالمجتمع، ولعل أصدق ما يُقال عن وسائل الاتصال أنها قربت البعيد وبعدت القريب، وتسببت في جفوة بين الأم وأبنائها، والزوج وزوجته، والأب وأسرته، ناهيك عن المشاكلِ الأخرى من القيلِ والقالِ التي ربما كانت سبباً في الهجر والخصومة.

وتابع يقول: إن اهتمامي في الشأن الاجتماعي والوطني دفعني لدراسة مشكلة الطلاق إذ أطلقت قبل سنوات دراسة تشخيصية بعنوان «ظاهرة الطلاق في المجتمع السعودي»، خرجت بنتائج وتوصيات مهمة، وأتبعتها بدراسة بحثية بعنوان: «قبل إعلان حالة النكد»، وهو استمرار لبعض توصيات دراسة ظاهرة الطلاق، وأكدت فيها ضرورة وجود دورات تثقيفية للمقبلين والمقبلات على الزواج، وتم تفعيل هذا المقترح - ولله الحمد - من قبل وزارة العمل والتنمية الاجتماعية قبل سنوات وبالذات عن طريق بعض الجمعيات الخيرية، بل إن مجلس الوزراء خصص دعماً سنوياً لتنفيذ هذه الدورات.

الإكراه على الزواج

ومضى العُمري متحدثا: هناك من الباحثين من كشفوا في دراساتهم أسبابا أخرى كثيرة للطلاقِ أبرزُها: تدخلُ الأهلِ، وفرض الزوج والزوجة من قبل الأهل، وعدمُ التحرَي فترة الخطوبةِ، الإكراهُ على الزواج، حجزُ المرأة للزواج من الأقارب اللصيقين كأولاد العمِ أو أولاد الخالِ، والذي يتم عادةً منذ الصغر، وجود أولاد للزوج أو الزوجة من زواج سابق، عدم رغبة الزوجةِ في العيشِ مع أهلِ الزوجِ، إصرارُ الزوجةِ على إكمال تعليمها أو الاستمرارُ في الوظيفةِ، عدم إعداد الأبناءِ للزواجِ وتحملِ مسؤولياته، إضافة لأسباب أخلاقية منها: سوء العشرةِ من أحدِ الزوجين، وعدم القيام بالواجباتِ الشرعية والحقوق الزوجية من أحد الزوجين، وعدم العدلِ بين الزوجات، الغضبُ، ارتكاب المعاصي والآثام والخيانةُ الزوجيةَ، شربُ المسكراتِ وإدمانُ المخدراتِ، بُخل الزِوج، الشذوذُ الجِنسي عند الرجلِ. ومما يتعلق بالأسباب المادية هناك: ضعفُ إمكاناتِ الزوجِ الماديةِ، الخلافاتُ على أمورٍ ماديةٍ، المغالاةُ في المهورِ. ثم هناك العديد من الأسبابِ النفسيةِ والصحيةِ والاجتماعيةِ والأسباب

ِ الثقافيةِ والإعلامية.

المطلقة.. أسيرة القيود

وتناول العُمري آثار الطلاق على المرأة، ومنها: معاناتها من قسوة نظرةِ المجتمعِ، إذ تبقى أسيرة القيودِ الاجتماعية، علاوة على فِقدانُها الموردَ الاقتصادي الذي كان يوفره الزوجُ وبذلك يتردى مستوى معيشتها فتشكل عبئاً ثقيلاً على عائلتها، التي ربما تعاني من ظروف سيئة، ما يدفعها لطلبِ المعونةِ من مراكز الإعانةِ الاجتماعية والهيئاتِ الخيرية، وهذا في حد ذاته يزيدُ من عذابِها النفسي فتصابُ باليأسِ والاكتئابِ. وتصبحُ عرضةً لانحرافات سلوكية قد تصل إلى الانتحار. ناهيك عن تعرضها كحال المجتمعات العربية إلى نوع من التمييز والقسوة مقارنة بنظيرها الرجل المطلق، فالمجتمعُ العربيُّ عموماً والخليج خاصة، ينظر للمرأة المطلقة نظرة غير مستحبةٍ إذ تتضاءلُ فرصها في الزواج ثانية. ناهيك عن إصابة كل من المطلق والمطلقة بالإحباط وخيبة الأمل ما يعرضها لأمراض نفسية كالقلقِ المرضي، أو الاكتئاب، أو الهستيريا، أو الوساوس، أو المخاوف المرضية.

الفشل يلاحق المطلق

أما الرجل المطلق فيعاني من انعكاسات سلبية على حياته، فتضعف إنتاجيتهُ بسبب التشتتُ. كما يضعفُ وضعه الاقتصاديَ فيعجزُ عن الالتزامِ بالتزاماته المترتبة على مهر الزواج الفاشل، ناهيك عن نفقات الزوجة والأولاد، وبذلك يتولدُ لديه سيئة عن الحياة الزوجية قد تؤثرُ في حياتهِ المستقبليةِ بكاملها، تتفاحل مع فكرة زواجه للمرة الثانية، إذ يبقى فشلهُ الأول مصدر خوفٍ وقلقٍ قد لا ينتهي. وينطبق على الزوجِ المطلقِ أيضاً ما ينطبقُ على الزوجةِ المطلقةِ من حيث الأمراضِ النفسيةِ.

الأبناء.. وحيرة الانحياز

أما عن آثار الطلاق على الأبناء، فعددها العُمري في التالي: الطلاقُ يؤدي إلى التمزق العاطفي للأبناء بسبب الحيرة في الانحياز لأي طرفٍ، الأب أم الأم، فضلاً عن فقدهم الشعور بالأمن نتيجةً للاضطرابِ والتمزقِ الذي حل بالأسرةِ، كما أن بعض الأطفال يستخدمون الطلاق وسيلة للانتقام والإيذاءِ المتبادل بين الزوجين، فالأم تحرمُ الأب من رؤية أولاده، والأبُ يحاولُ أن يضُم الأولادَ إلى حضانتهِ، ويعيشُ الأبناءُ تجربةً نفسيةً قاسيةً تتركُ في وجدانهم انطباعاً سيئاً عن الجوِ الأسُري والعلاقاتِ الزوجيةِ وتدفعُ المرأة المطلقةَ ثمناً غالياً لطلاقها. ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يؤدي الطلاق إلى تخلف الأبناء في الدراسة، إضافة إلى نشأتهم في أسرة مفككة لا يعرف بين أفرادها غير النفور والكراهية، ما يرسب في أعماقهم مشاعر الكراهية نحو الحياة، ويتمثلُ ذلك في الانحرافِ والتمردِ على القيمِ والنظمِ والقوانينِ وإدمان الموبقاتِ والمخدراتِ فضلاً عن العزوفِ مستقبلاً عن الحياةِ الزوجية. ناهيك عن امتداد أيدي المجرمين للأبناء واتخاذهم وسيلة لنشرِ السمومِ أو سرقة الآخرين وتصبحُ الطفولةُ البريئةُ بدءاً للانحرافِ، وتشهدُ دور الأحداثِ صوراً من الجرائمِ التي يرتكبُها الأطفالُ الذين لم يعيشوا في أسرةٍ سليمةٍ، ما عرضهم لحياة التمرد والإدمان، وتحولوا إلى طاقة معطلة أو مدمرة. ما ينعكس سلبا على المجتمع بخسائر فادحة تعوق نموه. ناهيك عن فقدان صغار السن المأوى الذي يجمع شمل الأسرة. ما يحدث تشتتا بين الأبناء. إذ غالبا ما يتزوج الأب بأخرى والأم بآخر، والنتيجة في الغالب مشكلات مع زوجة الأب وأولادها وزوج الأم وأولاده، ما قد يدفع أولاد الأسرة المفككة إلى هجر ذلك المنزل إلى أماكن أخرى قد لاتكون مناسبةً للعيش في حياةٍ مستقرةٍ كما يحدث في مساكن العُزاب من الشباب. وإذا كانت بنتاً فإنه ليس لها مجال لمغادرة المنزل، فقد يقعُ عليها حيفٌ في المعاملةِ ولاتستطيعُ رفعهُ، فتصاب ببعضِ الأمراض النفسية نتيجة لسوء المعاملة التي تتعرض لها في حياتها اليومية، وفي بعض الحالات تكون مثل هذه الفتاة عرضة للانحرافِ في مسالكِ السوءِ بحثاً عن الخروجِ من المشكلةِ التي تعيشُها.

اضطراب نماء المجتمع

وعن آثار الطلاق على المجتمع، وصفها العمري بالخطيرة، إذ إن الأسرة قاعدة الحياة البشرية وقوامُ المجتمعِ، فإذا تعرضت للاضطرابِ والتصدعِ والصراعِ، ولم تقم برسالتها في التربيةِ والتوجيه، فإنها بدلاً من أن تكون لها عطاءً نافعاً فيخسر المجتمع بذلك خسارةً فادحةً، خسارة أجيال تدمر ولا تعمر، أجيال تعوق مسيرة التنمية والنهضة، إذ يسبب الطلاقُ والتفككُ الأسريُ اختلالاً في كثير من القيم التي يسعى المجتمع لترسيخها في أذهان وسلوكيات أفراده، مثل الترابط والتراحمِ والتعاون والتسامح ومساعدة المحتاج والوقوف معه في حالات الشدة وغيرها من القيم الإيجابية المهمة في تماسك المجتمع واستمراره، ويولد التفككُ إحباطاً نفسياً قوي التأثير في كل فرد من أفراد الأسرة المفككة، وقد يجعل بعضهم يوجه اللوم إلى المجتمع الذي لم يساعد على تهيئةِ الظروفِ التي تقي من التفكك الأسري فيحول اللوم لتلك القيم التي يدافع عنها المجتمع ويسعى الفرد للخروج عليها وعدم الالتزام بها كفرع من السلوك المعبر عن عدم الرضا غير المعلن. كما يُجمع المهتمون بأمورِ التنميةِ الاجتماعيةِ على أن للتفككِ الأسريِ أثرا معيقا في سبيل تحقيق أهداف التنمية؛ لأن التنمية تعتمدُ على وجود أسرةٍ قائمةٍ بوظائفها بشكلٍ سليمٍ تحققُ الغرضَ من وجودها وتنتج أفراداً إيجابيين قادرين على تحمل المسؤولية الملقاةِ عليهم بالمساهمة في رقي المجتمع وتطوره في كافة المجالات، ولكن إذا حدث تفكك الأسرة تشتت أفرادها وانشغل كل منهم بمشكلاته الشخصية عن مسؤولياته الاجتماعية، وبدلاً من أن يكون رافداً منتجاً في المجتمع يصبح فرداً محبطاً يحتاج إلى جهود تبذل لمساعدته لتجاوز تلك المشكلات التي تواجهه.. وقد ذكر أحد الباحثين في موضوع التنمية: «تظل إنتاجية المجتمع المحور الأول والمحصلة النهائية لما يعايشه المجتمع ويعيش فيه من مظاهر وسمات وما يربط أفراده من روابط وصلات». ومن الآثار الأخرى على المجتمع أن بعض حالات الطلاق إن لم يكن كثير منها تتطلب رافداً ودعماً مالياً للمرأة المطلقة وأولادها، وهذا يكلف المؤسسات الاجتماعية الرسمية والخيرية في تبني هذه الحالات ودعمها من الضمان الاجتماعي أو صناديق البر، وكذلك على المحيطين بالأسرة المطلقة من ذوي القرابة.