لماذا الدولة.. وهل هناك، بالفعل حاجة إليها.. وما هي بدائلها. سؤال تاريخي وأبدي شكل محور الفلسفة السياسية والنظرية السياسية، منذ أيام الإغريق القدماء، وحتى العصور الحديثة. هناك من أدبيات علم السياسة التي تجتهد في «فلسفة» منطق الدولة والانحياز لخيارها. ويبقى هناك من الفلاسفة من بالغ في الإشادة بالدولة، لدرجة الوله بها وعشقها. في المقابل: هناك من التيارات الفلسفية، التي تحفظت على خيار الدولة، حتى أن بعضهم ذهب في مناهضته وكرهه للدولة الدعوة للثورة عليها وتقويضها.

مهما كان توجه الفكر والممارسة السياسية في التاريخ، فإن الدول، اكتسبت وجوداً واقعياً مهيمناً على سلوك البشر، بظهور ما عُرف بالدولة القومية الحديثة، عقب صلح وستفاليا 1648، الذي أنهى الحروب الدينية في أوروبا. حينها، ومن قبل ذلك في بدايات عصر النهضة، اتجهت الفلسفة السياسية لتطوير نظرية سياسية للتعامل مع واقع وجود الدولة، على أسس بشرية علمانية لا غيبية «ميتافيزيقية»، سواء لتبرير منطقها.. أو لمناهضة خيارها. في الوقت الحاضر: تسود، في الفكر السياسي الغربي، نظريتان أساسيتان لتبرير وجود الدولة والتكيف مع واقعها، دون الدعوة - بالضرورة - للتخلي عن خيارها.

النظرية الليبرالية، بشقيها السياسي والاقتصادي، تركز أساساً على حقوق الفرد وحرياته، كأهم منطلق لتبرير منطق الدولة والحكم على شرعية نظامها السياسي. في المقابل: النظرية الاشتراكية، بشقيها السياسي والاقتصادي أيضاً، تحاول التعايش مع واقع وجود الدولة، بمنطق الحاجة إليها وليس لتبرير واقع وجودها الأخلاقي. الدولة عند الاشتراكيين ضرورة سياسية واقتصادية واجتماعية، مما يبرر تدخلها في الحياة الاقتصادية.. وربما المساومة على بعض الحقوق والحريات الفردية، عن طريق السيطرة على موارد الدولة وأدوات الإنتاج بها، لتحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية.

من هنا برزت معضلة هل للدولة وظيفة اقتصادية ومسؤولية اجتماعية.. أم على السلطة السياسية بها أن تنأى بنفسها عن العملية الاقتصادية وتتوقف عن تدخلها في سلوكيات الناس وخياراتهم الاقتصادية.. وتركز على وظيفتها السياسية والأخلاقية، التي بررت وجودها وتعكس شرعية نظامها السياسي، في تحقيق أقصى درجات الحرية للفرد.. والذود عن حقوقه الطبيعية والمكتسبة.. أو كما يضيف لها البعض من أمثال رسو حقوقه المقدسة، في وصفه لحق الملكية الخاصة.

مع الاعتراف الضمني، بالجانب السياسي من النظرية الليبرالية، في ما يخص حقوق الفرد وحرياته في الدولة، باعتباره أهم مبرر لمنطق وجودها، الذي تستند عليه شرعية نظامها السياسي، فإن الخلاف بين أجنحة النظرية والممارسة الليبرالية المتصارعة (الرأسمالية والاشتراكية)، يتمحور حول قضية: هل للدولة وظيفة اجتماعية تبرر أن يكون لها دور في العملية الاقتصادية. الليبراليون الرأسماليون، يَرَوْن أنه ليس للدولة وظيفة اجتماعية ومن ثَمّ ينفون أن يكون لها دور في الحياة الاقتصادية للمجتمع. هم يجادلون بأن مبدأ الليبرالية العلمانية لا يتجزأ.. فالحرية السياسية تلزمها حرية اقتصادية. التدخل في العملية الاقتصادية، في رأي أنصار المذهب الفردي، يعني: المساومة على حقوق الأفراد الاقتصادية، وحتى التدخل في سلوكهم الإنتاجي والاستهلاكي... الأمر الذي يربك العملية الاقتصادية.. ويقود لإهدار موارد المجتمع.. وفساد مؤسسات الدولة ورموزها السياسية، وتكون المحصلة النهائية: إفقار المجتمع.. وإضعاف الدولة، وبالتالي: المساومة على مصير الدولة، نفسها.

في المقابل: يرى الاشتراكيون أنه من الخطر على مصير الدولة نفسه، ألا تكون لها وظيفة اجتماعية. ليس من الرشد أن تترك العملية الاقتصادية بعيداً عن سيطرة الدولة، أو على الأقل مراقبتها، لتحقيق القيمة الأخلاقية لوجودها، في رفع كفاءة نظامها السياسي بتحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية، التي تمثل الركيزة الأساسية لشرعية الحكومات. جناح «الصقور» في النظرية والممارسة الاشتراكية ينادي بامتلاك الدولة لأدوات الإنتاج، من أجل ضمان توزيع أمثل للموارد. إلا أن الاشتراكيين الديموقراطيين اليوم يكتفون بأن تكون للحكومة وظيفة اجتماعية لمساعدة الفئات الفقيرة.. وتحفيز العملية الاقتصادية، عن طريق السيطرة على المؤسسات المالية والنقدية في الدولة، من أجل تحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية بين المواطنين.

بين هذين التيارين ظهر تيار ثالث في أوروبا في تسعينات القرن الماضي، تخلى فيه الاشتراكيون عن فكرة تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق التدخل المباشر في العملية الاقتصادية، من أجل التصدي لغلواء التيار الرأسمالي، الذي ساد أوروبا وشمال أمريكا في ثمانينات القرن الماضي، في حقبة «الثاتشرية» في بريطانيا (1979 - 1990) و«الريغانية» في أمريكا (1981 - 1989)، اللتين أحدثتا نمواً اقتصادياً مطرداً في بلديهما، بسبب إزالة كل العوائق أمام رأسمال والمبادرة الفردية، ليكون لهما دور في التنمية الاقتصادية.

في المقابل: تخلى حزب العمال، في عهد توني بلير (1979 - 2007) عن مبدأ ملكية الدولة لأدوات الإنتاج وركز على أن تحتفظ الدولة بمسؤولية اجتماعية محدودة لمساعدة الفئات الفقيرة في المجتمع ومكافحة البطالة وتطوير خدمات التعليم والصحة والبلديات، دون الإضرار المباشر بمبدأ الحرية الاقتصادية. نفس الشيء تقريباً لجأ إليه الديموقراطيون في عهد الرئيس بل كلينتون (1993 - 2001) بمحاولة إحداث توازن في ميزانية الدولة والتخلص من العجز فيها، عن طريق نظام ضرائبي لا يضير حرية حركة رأس المال.. ويوفر الموارد اللازمة للقيام بمسؤولية الحكومة الاجتماعية، لدعم الفئات الفقيرة.. والمساعدة على تخفيف معدلات البطالة.. ومحاربة التضخم، والاهتمام بخدمات التعليم والصحة والإسكان.. مع البعد، قدر الإمكان، عن المغامرات العسكرية في الخارج.

اليوم: يجد منطق الدولة مبرره في واقعها المهيمن على مجال حركة الظاهرة السياسية، في بيئتها الداخلية والخارجية.. إلا أن شرعية النخبة الحاكمة في الدولة، تتمحور في الأساس حول كفاءة وفاعلية خيار الدولة نفسه، في أداء وظائفه تجاه إشباع حاجات الناس المادية والمعيارية (القِيَمِيّة)، مع عدم المساس، في كل الأحوال، بحريات المواطنين وحقوقهم، بما فيها الحرية الاقتصادية.