هناك صراع قديم متجدد بين مدرستين في الاقتصاد؛ مدرسة تفضل الاعتماد على الدولة وصرفها وأذرعتها والقطاع العام بشتى أشكاله ووسائله، ومدرسة تفضل الاعتماد على القطاع الخاص عن طريق سياسات محفزة ومشجعة لفتح المجالات لرأس المال الخاص.

المدرسة الأولى تعتقد أن الدولة «وحدها» قادرة على دفع عجلة النمو، نظرا لما تملكه من مقومات «استثنائية» وقوى «قهرية»، تجعلها قادرة على تغيير قواعد اللعبة لمصلحة الاقتصاد متى ما رأت ذلك مناسبا.

والمدرسة الثانية تؤمن أن كل الاقتصاديات الناجحة في العالم الحر والدول المتطورة باقتصادها يشكل الاقتصاد الخاص العمود الفقري، بل إن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تكونان أكثر من 80% من حجم الاقتصاد في معظم الأحيان بهذه الدول المعنية.

في السعودية هناك «قلق» على وضع القطاع الخاص، في ظل تغيرات «حادة» وإعادة هندسة هيكلية للاقتصاد الوطني عبر قرارات وسياسات صادمة في بعض الأحيان، جعلت من تكلفة العمل أكثر تكلفة مما كانت عليه من قبل.

واضح جدا أن الدولة اليوم تعتمد على دعم توجه اقتصاد الدولة عن طريق تمكين صندوق الاستثمارات العامة (والصناديق الرسمية الأخرى للدولة) للاستثمار والاستحواذ والمشاركة، بحيث تكون هي محرك دوران الاقتصاد والمحفز الجديد له، خصوصا في ظل الفشل الواضح لوزارة التجارة على فتح المجالات الجديدة لرأس المال الوطني، ولا قدرتها على تحقيق إنجازات «حقيقية» و«ملموسة» في ما يخص جذب الاستثمارات الأجنبية المتعلقة برؤس أموال كثيرة تضخ، ويتم من خلالها توظيف السعوديين فيها.

هناك قناعة لدى بعض المسؤولين اليوم أن القطاع الخاص في السعودية بحاجة «لفترة» لكي يعيد التأقلم مع الواقع الجديد، ومن الشركات من سيقدر على إعادة هندسة نفسه، ومنها من سيفشل ويضطر للإغلاق وتسريح العمالة، وهي مرحلة «دقيقة» و«حرجة»، لا يتحمل الاقتصاد الوطني ككل الانتظار حتى تستقر الأمور. القطاع الخاص كان كيس الملاكمة المناسب والملائم منذ حقبة وزير المالية السابق، الذي وجه حملات من التشكيك والتخوين بشكل غير مباشر في رجال الأعمال، متجانسا مع تيار شعبوي ندفع ثمنه اليوم مع مناخ معاد لرجال وطنيين وشرفاء ساهموا في بناء صروح اقتصادية للوطن.

الاقتصاد يشارك في بنائه كل من يعمل فيه ولا يمكن أن يستقيم اقتصاد يعتمد على قدم واحدة فقط مهما كانت هذه القدم قوية حتى في أعتى الدول الاشتراكية مثل الصين الذي يدير الحزب الشيوعي فيها عبر الشركات الحكومية العملاقة زمام الأمور، فيطلق شركات مثل هواوي المملوكة للجيش الصيني، ولكنه سمح بوجود شركات خاصة عملاقة مثل «علي بابا» للتجارة الإلكترونية. الكل يسر مع التطور الجيد للقطاع الحكومي وقدراته الاستثمارية، ولكن هذا لا يخفي الخوف والقلق على مستقبل القطاع الخاص في السعودية، الذي كان دوما شريكا ناجحا ومشرفا ومسؤولا ويعتمد عليه، وهناك العديد من الأمثلة التي تثبت ذلك والتاريخ خير شاهد.

الوزارات الاقتصادية مطالبة بنظرة متناغمة للشأن الاقتصادي ومراعاة كل الأطراف على الساحة بعين حسنة الظن، لأن الاقتصاد الناجح هو الذي ينجح فيه الاقتصادان العام والخاص حتى لا نفرح بعد ذلك بنجاح العملية بالرغم من وفاة المريض.