في خبر عكاظي نشر يوم الاثنين 28/4/1439هـ، هاجم محام محامية متدربة زعمت أنها تعرضت للتحرش خلال فترة تدريبها بأحد مكاتب المحاماة، وكان مدار تعليقه أنها استخدمت وسيلة غير قانونية للتشهير بمن تقول، وأنه كان عليها الاتجاه نحو القنوات النظامية للشكوى مما زعمت أنها تعرضت له من تحرش، وأن تصرفها قد يجعل مكاتب المحاماة تحجم أو تتردد في فتح أبوابها للمحاميات المتدربات مستقبلاً!

وما أشار إليه المحامي لا غبار عليه بصفة إجمالية، ولكن «الواقعة» أوحت لي بعدة تساؤلات أطرحها على النحو التالي:

أولاً: منذ دخول المرأة أسواق العمل وهناك حكايات عن وجود من يتحرش ببعضهن وذلك على نطاق عالمي، حتى سنّت دول الغرب عقوبات صارمة ضد التحرش، الذي بلغ نسباً عالية لديها، وكان من بينها مراقبة أماكن العمل بالكاميرات بل وحتى الشوارع والأماكن العامة ومداخل الفنادق والمقاهي، فكانت تلك الإجراءات وسيلة ناجعة للحد من التحرش، وكذلك للإيقاع بالمتحرش لتطبيق النظام عليه، فكيف يمكن لموظفة في بلادنا إثبات تعرضها للتحرش إذا لم تكن هناك وسيلة مساعدة لإثبات حقها، ومن أين تأتي بالبينة إذا لم يشهد التحرش زميل أو زميلات، وهل أقرّ نظام رسمي لمكافحة التحرش حتى تاريخه، وأذكر أن زميلاً صحفياً سافر إلى لندن للعلاج، وكان عند سفره مرتدياً الثوب والشماغ لأنه سمين جداً والبنطال يكتم أنفاسه، فرأته بائعة هوى من أصل عربي وهو يدلف إلى الفندق مساء، فاقتربت وعرضت عليه نفسها فاعتذر لها بأنه مريض وغير راغب في الأمر، فثارت ثائرتها وهددته بأنها سوف تدّعي عليه بالتحرش إن لم يستجب لطلبها أو يعطها 500 جنيه إسترليني لتنصرف عنه، فعرض عليها 100 جنيه اتقاءً لشرها فزاد سعارها وأخذت تصيح لاسيما عندما رأته يتعرق ويرتجف من الخوف، ولكن صراخها انقلب عليها حين حضر رجلا بوليس وسألها وسأله عن الأمر، فادعت أنه تحرش بها فنفى ذلك بشدة، فوضعا في سيارة الشرطة واتجه أحد الرجلين إلى الفندق وغابا نحو 20 دقيقة، ثم خرج ومعه موظف الاستقبال وقال للزميل لقد ثبت عن طريق الكاميرا أنك صادق وأنها كاذبة وستلقى جزاءها ووضعا القيد في يديها وهي تصيح مظلومة.. مظلومة، وقال له: إن الحق العام سيأخذ مجراه أما حقه الخاص فإن بإمكانه التقدم للمحكمة للمطالبة به، وأن قسم الشرطة سيزوده بالإثباتات اللازمة، فأكد لهما أنه مريض ولا قدرة لديه على التقاضي والمحامين، وأنه سيكتفي بما يناله من حق عام.

ثانياً: على الرغم من عدم صواب ما قامت به المحامية المتدربة من استخدام وسائل غير نظامية للإبلاغ عما تدعي أنها تعرضت له من تحرش، إلا أن السؤال الذي غاب في هذه القضية هو: هل حصل التحرش أم لم يحصل، فإن كان حصل فإن عدم نظامية الإبلاغ به لا يعني إغلاق الأمر عند هذا الحد، بل لا بد من التحقيق في المسألة إدارياً، كما أنه لا بد من إيجاد وسائل تقنية مساعدة تضمن سلامة أجواء العمل مما يخدش الحياء والخلق، لأن المجتمع يتحدث كثيراً عن وجود حالات تحرش في مجالات العمل، وأن الضحايا من النساء يلذن بالصمت، إما خوفاً من فقدان مصدر رزقهن الذي لم يحصلن عليه إلا بشق الأنفس، أو خشية من ردة فعل الأسرة ضد المتحرش، وضد فكرة أن تعمل المرأة نفسها، وإما لعدم قدرتهن على إثبات ما تعرضن له من تحرش، أو لغير ذلك من الأسباب التي تبقي التحرش بعيداً عن المحاسبة.

ثالثاً: لم تعجبني لهجة التحذير المغلفة بالتهديد بأن مكاتب المحاماة سوف تحجم عن تدريب المحاميات المتدربات بعيداً عن المشاكل والقيل والقال، فهل المطلوب هو أن تتحمل المتدربات التحرش حتى لا تحجم المكاتب عن فتح أبواب التدريب لهن لنيل رخصة المحاماة أم ماذا.