من المعروف أن الثقافة المجتمعية تخلق أنماطها المادية والإدارية للدرجة التي تجعل من هذه الثقافة في أسوأ أحوالها قوة جبارة وسوطاً يجلد كل من يخالفها، بل إن لها القدرة على وسم الجميع وقولبتهم تحت وطأة صفات محلية أطلقتها وتشربها المجتمع بالرغم من كونها منحازة ضد نظام الدولة والمبدأ الأهم فيه وهو تكافؤ الفرص، وبناء الوطن في محيط من العدالة والمساواة لجميع أفراده باختلاف مناطقهم وهوياتهم..!

ومن هذا التنميط الثقافي والمجتمعي الذي عانينا وما زلنا نعاني منه هو ما سميته في هذا المقال بنظرية «الرمة والذيب»، حيث يقبع المصطلح الدلالي لكلمتي «الرِّمة» و«الذيب» في القطاع الحكومي والقطاع الخاص كنمط ثقافي واجتماعي يقولب كل مسؤول وموظف مهما علت رتبته أو صغرت حتى أصبح البعض أسيراً له إما «ذئباً» تمجده دائرة الثقافة المجتمعية المحلية للمسؤول أو «رمة» تلعنه فيها صباح مساء وتشوهه هو وأسرته حتى يخضع للنمط الاجتماعي والإداري الذي تفرضه هذه الثقافة السيئة.

«الذيب» يا سادة هو الذي أصبح أسيراً للنمط الإداري والمادي الذي فرضته هذه الثقافة المجتمعية المحلية ليتحول فعلاً إلى وحش أسطوري ينتهك الأخلاق والشرف المهني وحتى النظام والتعليمات التي بموجبها أصبح مسؤولاً عن قطاع ما أو خدمة أو فرصة يقدمها لعموم المجتمع بدون تحيز أو تمييز فأصبح بمفهوم «الذيابة» مصدراً للثراء غير المشروع، ولتقديم الخدمات العامة المتاحة للعموم كما نص النظام بتحيز وتمييز قائم على المصلحة الخاصة بمقابل أقله كسب الوجاهة الاجتماعية والتميز في التحيز ! أما أعلى درجات «الذيابة» وفق هذه النظرية البائسة فهي أن يستطيع المسؤول إياه توظيف أبناء وبنات عائلته وحتى أبناء قبيلته والمحافظة والمنطقة التي ينتمي لها حتى رأينا بأم أعيننا إدارات ومصالح وجهات وقد تحولت إلى لوبيات عنصرية ومناطقية تغلغلت في جسد هذه الجهة أو تلك حتى أوهنتها وأعجزتها عن تقديم الخدمة التي أنشئت لأجلها !

وعلى الجانب الآخر يعرف «الرِّمة» بأنه الرجل النزيه الذي لم يرضخ لهذه الثقافة المتحيزة والمتعنصرة فاجتهد قدر ما يستطيع في محاربتها فأصبح محارباً حتى من عائلته ودائرته القريبة والبعيدة وموصوماً بأنه «رِّمة» لا يفيد ولا يستفيد ! بل وتعقد المقارنات بينه وبين الآخرين من قطيع «الذيابة» ليتبين مدى فشله في استغلال سلطته وخيانة أمانته وإفساد إدارته ليكون وتكون مصدراً للثراء غير المشروع والمحسوبية في التوظيف والتعيين والتمييز في تقديم الخدمة العامة للجميع.

جميعنا اضطر للتعامل مع «الرمة» و«الذيب»، وأغلبنا خضع لهذه الثقافة البائسة في الوزارات والجامعات والمنشآت الخاصة والعامة، هذه الثقافة اللعينة التي متى ما توحشت عطلت وأضعفت النمط الاقتصادي والتشغيلي في القطاع العام والخاص، وأعطت ما لا تملك لمن لا يستحق !

ولهذا فجدير بنا ونحن نتحضر في المملكة العربية السعودية لعمل كبير تتمخض عنه رؤية 2030 وصولاً لاقتصاد منتج ومجتمع حيوي ومواطن مسؤول ألا ننسى في تحدياتنا القائمة وفرصنا القادمة وأد نظرية «الرمة والذيب» وأمثالها اجتماعياً وثقافياً إلى غير رجعة، وإعادة منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية إلى مسارها الصحيح، وجمع كل «ذيب» تغول أو يتغول أو سيتغول في ثنايا النمط الاقتصادي والإداري والاجتماعي ومحاسبتهم ورميهم جميعاً في سلة المهملات، والحفاظ وتكريم كل «رِّمة» غادرنا أو مازال يعمل وهو يقاوم هذه النظرية والثقافة حتى وصموه وأهله بأنه «رِّمة» لا ينفع نفسه فضلاً أن ينتفع منه «الذئاب» !