مع كل كتابة يفترض أن يحضر الوعي بالمكتوب في زمنه، وتجيء الذاكرة لتستحضر الماضي، وتبدو الهوية باعتبارها عنوان المرونة نحو المستقبل. كما يفترض أن التماس العذر للكاتب حاضر، وحسن الظن به متوفر، فالكتابة إدانة. دفعت أحد الولاة إلى قطع كف ابن مقلة.

يفضّل الكاتب الاشتغال على التفكيك، إلا أنه ليست جميع الكتل قابلة للتفكيك بأريحية، ففي ظل التشبث بأيديولوجية ما، سيدرجك أي مستشعر لنقد في خانة العداء، كونك نلت مما يقدّس، وجرحت مسلماته، وربما كان له عذره، فالنقد مغامرة وأحياناً مقامرة، والقارئ المؤدلج أكثر ما يكون قلقاً على أديولوجته.

الوجه الآخر للأدلجة أن يرى البعض العادات والتقاليد خطا أحمر، وهنا تقع محاصرة الكاتب من أداليج اليمين واليسار، ومثلما يغضب حزبي من نقد حسن البنا، هناك من ينفعل ويشتم لنقدك حقبة الريّس عبدالناصر.

وعلى مستوى المنظومات الاجتماعية يظل أي نقد للشعوب أو القبائل مظنة عداء، حتى وإن كان التناول بحسن نية، وفيه إشادة بالجانب الإنساني، إلا أن هناك افتتانا بالتأويل وتفسير ما لم يفسر، وتعمد إسقاطات لم تكن في ذهن الكاتب عند الكتابة.

بالطبع من أشد القراء عدائية من يحيل الكتابة إلى لائحة ادعاء فيطالب مثلاً بمحاكمة الكاتب، أو يقع في عرضه، أو يشي به، وهنا تحضر نصيحة الجاحظ في كتاب الحيوان (ينبغي لمن كتب أن لا يكتب إلا على أن الناس كلهم أعداء).

ربما كان الجاحظ يتكلم عن أعداء فنٍّ منافسين من كتاب ومؤلفين، أو أعداء أيديولوجيين، ولكنه لا يهمل العدو الخفي (القارئ) الذي تعد عداوته إن كان موضوعياً من أجمل العداوات وأزكاها، ذلك أنه سينصف الكتابة، ويذكر ما فيها من حق إن وجد، ويدون مآخذه على النص لا على الشخص، ويعتني بالمكتوب إن استحق دون تركيز على الذات الكاتبة.

عنوان المقالة مبالغ فيه كون عِداء قارئي مجازياً وليس حقيقياً ما ينعكس إيجاباً على الكاتب، بدءا من إعادة النظر فيما كتب، وهذا درس مجاني أتعلمه من كل قارئ معرفي، ولبق وغير مدّع، أو متعالم، أو متحزب.

يبقى القارئ الإنساني الذي أزعم أني محظوظ به في ظل ما أجده من ردود أفعال إيجابية من رموز أنا أسير فضلها. شرواكم جميعاً.