واس (مكة المكرمة - المدينة المنورة)
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور ماهر المعيقلي، المسلمين بتقوى الله عز وجل والعمل على طاعته واجتناب نواهيه.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها في المسجد الحرام: "إن الدعوة إلى مكارم الأخلاق من أهم مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ففي مسند الإمام أحمد، قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ)، مبيناً أن الإيمان وحسن الخلق متلازمان، ويعظم ويكمل بحسن الأخلاق وكمالها، والأخلاق تثقل الموازين، وتزيد في إيمان العبد حتى يصل إلى مراتب الكمال ومن الأخلاق الفاضلة التي قُرِنَتْ بالإيمان، خلُق الحياء، قال صلى الله عليه وسلم: (الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ، قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ).

وأوضح أن الحياء هو خٌلق الأنبياء والمرسلين، ومن سار على نهجهم من الصحابة والتابعين، فهذا موسى عليه السلام قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لاَ يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ "، وأما نبينا صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد تسنَّم صُوَرَ الحياء في أعلى قاماتها، فعن أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ).

وأضاف الشيخ المعيقلي، إن الحياء صفة للرب جل جلاله وتقدست أسماؤه، وحياء الرب تبارك وتعالى، حَيَاءُ جُودٍ وَكَرَمٍ، وبِرٍّ وَجَلَالٍ، فَإِنَّهُ سبحانه حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خائبتين، وَيَسْتَحْيِي أَنْ يُعَذِّبَ ذَا شَيْبَةٍ شَابَتْ فِي الْإِسْلَام، وفي الأثر: يقول الرب جل جلاله: (مَا أَنْصَفَنِي عَبْدِي، يَدْعُونِي، فَأَسْتَحْيِي أَنْ أَرُدَّهُ، وَيَعْصِينِي وَلَا يَسْتَحْيِي مِنِّي).

وأبان، أنه يجب على المسلم أن يستحي من الخالق سبحانه، فلا يتأخر في طاعته، ولا ينسى شكر نعمه، ولا يراه حيث نهاه، أو يفتقده حيث أمره، فالله جل جلاله وتقدست أسماؤه، أحق أن يستحيي منه، وبذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه، ففي معجم الطبراني (أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْصِنِي، قَالَ: أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللّهِ، كَمَا تَسْتَحِي رَجُلًا صَالِحاً مِنْ قَوْمِكَ).

وأفاد الشيخ المعيقلي، أن الحياء دليل على رجاحة العقل، وأدب في التعامل مع الخلق، وطريق خير وصلاح، وسعادة وفلاح، في الدنيا والآخرة، الحياء شعار المتقين، ودثار الصالحين، وجلباب ستر الله على عباده المؤمنين، وإذا أصر العبد على الذنوب والمعاصي، ولم يسلك طريق التوبة، نزع منه الحياء، ومن نزع حياؤه حل هلاكه، فتمادى في تحصيل شهواته، وظهرت مساوئه، ودفنت محاسنه، وكان عند الناس مهاناً، وعند الله ممقوتاً.

وأشار إلى أن من مظاهر نقص الحياء، انتشار الألفاظ النابية، والتصرفات المشينة، والكذب والتضليل، وعدمُ احترام الآخرين، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، فلا يرعى لكبير حقاً، ولا لصغير ضعفاً.

وأبان الشيخ المعيقلي، أن من مظاهر ضعف الحياء: تشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، ففي صحيح البخاري، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ)، موضحاً أن أعظم من ذلك كله المجاهرة بالذنوب والمعاصي، فهي سبب لعدم العافية، في الدنيا والآخرة، ففي الصحيحين، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ ، أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ، عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ).

وأوضح أن الذي يُحَرِّكُ فِي الْقَلْبِ الْحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ عز وجل، أمور ثلاثة: تَعْظِيمُ اللَّهِ وَحُبُّهُ، وَالْعِلْمُ بِرُؤْيَتِهِ وَاطِّلَاعِهِ؛ فَمَتَى مَا كَانَ الْقَلْبُ مُعَظِّمًا لِرَبِّهِ، مُحِبًّا لَهُ سُبْحَانَهُ، عَالِمًا بِاطِّلَاعِهِ وَرُؤْيَتِهِ وَأَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، تَحَرَّكَ الْقَلْبُ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ جَلَّ جلاله وتقدست أسماؤه.

وأفاد فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام أنه إذا كان الحياء في الرجال زينة وجمالاً، فإنه في حق النساء أجمل وأكمل، فأولى الناس بخلق الحياء، هم النساء، وقد خلّد الله في كتابه الكريم، خبر تلك المرأة مع نبي الله موسى عليه السلام، وحياءها وحسن صنيعها، حيث مشت إليْه بخطوات، لا تبذل فيها ولا إغراء، وتحدثت بكلمات معدودات، لا خضوع فيها ولا إغواء، (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)، مؤكداً أنه حينما يسودُ الحياء في المجتمع المسلم، فإنَّه يرتفع بأخلاقهم، ويسمو بآدابهم، ويشيع الخصال الكريمة، والفضائل الحميدة، ولا يأتي عليهم إلا بخير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ) و(الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْر).

وفي المدينة المنورة، تحدث إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ عبدالباري الثبيتي عن نعمة البركة التي إن أنعم بها الله على عبده، عم نفعوها في المال والولد والوقت والعلم والعمل والجوارح.

وحث المسلمين على تقوى الله سبحانه حق التقوى، لأن النعيم في الهدى والشقاء في موافقة الهوى.

وقال: "إن الله تعالى قد جعل الأرض مستقراً لحياة العباد، وبارك فيها واصطفى أنبياءه وأنعم عليهم بالبركة في حياتهم وأعمالهم، وثبتت بركة النبي صلى عليه وسلم ورائها الصحابة رضي الله عنهم بأعينهم، وللقرآن بركة في اتباعه والعمل به، قال تعالى (هَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

وأوضح أن البركة تعني النمو والازدهار، إذا حلت في قليل كثرته، وإذا قرت في مكان ظهر أثرها وفاض خيرها وعم نفعها المال والولد والوقت والعلم والعمل والجوارح، وجعل الله تعالى البركة في البيت العتيق وطيبة الطيبة والمسجد الأقصى وما حوله، قال تعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ).

وأضاف الشيخ الثبيتي، إن الله سبحانه وتعالى بارك في أمة النبي صلى الله عليه وسلم، فنمت وازدهرت حتى سبقت كل الأمم، فالمسلم يتحرى البركة أين ما حل لتغمر جسده وحياته وأولاده وكل ما حوله.

ولفت إلى أن على المسلم أن يستجلب البركة لبيته بدوام ذكر الله وقراءة سورة البقرة، مستشهداً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (اقرأوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَة)، وتستجلب البركة بملازمة الاستغفار وتستجلب بحرص المسلم على صلاة الفجر مع الجماعة، وبطلب البركة بالدعاء لله عز وجل، فهو خير جالب لفضلها ومدر لنعيمها، وتحقق البركة بلزوم تحية الإسلام التي هي من خصائص الإسلام، ومن خصائص هذه الأمة المباركة، وتستجلب في التجارة بالصدق والبيان وصلة الرحم، وتزيد في العمر وتبارك في الرزق والتآلف والاجتماع وعدم الفرقة ومدعاة لحصول البركة وحلولها.

وبيّن أن البركة إذا حلت في حياة المسلم فإن الله تعالي قد رزقه عقلاً ناضجاً بالفقه وقلباً حياً بالعلم والإيمان، وتظهر البركة في حياة المسلم بأن يوفق لإنتاج غزير وإنجاز مترادف خيراته في زمن يسير بجهد يسير، وهذا عون خاص يمد به المرء ويكون قوة له على الطاعة والعمل.

وأشار فضيلة إمام وخطيب المسجد النبوي، إلى أن طول العمر مع صلاح القول والعمل ومن صور البركة التي يمنحها الله تعلى للموفقين من عباده، وأن إفاضة الله عز وجل على العبد بالمال الوفير للإنفاق في وجوه الخير والإحسان بركة ظاهرة وتزيد البركة بركة بتطهيره من الشوائب.