عبدالمجيد عبدالرزاق hotmail.com
في سنة تحصيل دراسي دخل معلم متجهّم الوجه في حصة «انتظار» وطلب منا عدم التحدّث مطلقاً؛ فأخرجتُ من طاولتي دفتر كشكول كنتُ أكتب فيه بعض الأبيات والذكريات أوقات الفراغ، وجدتُ بداخله قصاصة من إحدى الصحف المحلية خبّأتها فيه حتى أكمل قراءتها.

كانت لقاء مع الدكتور غازي القصيبي رحمه الله؛ وأثناء القراءة فوجئت بالمعلم يسحب القصاصة بقوة؛ وينظر فيها تارة وفي وجهي تارة!

قال لي: قف هناك.. وقفتُ؛ وطلبَ من الطلاب الإنصات إلى ما سيُقال، وانهال شتماً وتهجّماً على القصيبي!

وقال لنا كلاماً عميقاً لم نفهم أكثره، وصف القصيبي أوصافاً لم نفهمها وقتها، ثم التفت إليّ ولم تبق كلمة في قاموس الفسق والفجور حتى ألصقها بي.

انتهت الحصة؛ ومزّقتُ القصاصة؛ وكرهتُ القصيبي؛ وبجّلتُ معلّمي؛ وسلّمتُ له عقلي،

وفي نهاية الدوام استدعاني واجتمع بي مع بعض المعلمين في غرفة مغلقة؛ هم جلوس وأنا واقف؛ وبدأ كل معلم في حديثه؛ وأنا أفكّر: هل كل هذا بسبب قصاصة للقصيبي؟! وفي نهاية الاستدعاء ردّدوا بعض الدعاء أحسستُ وقتها بأنني دخلتُ في الإسلام تلك اللحظة بعد الردّة في حصة الانتظار!

أصبح ذلك المعلم يسألني يومياً: باقي تقرأ في تفاهات القصيبي؟

قرّرتُ بعدها التعمّق في شخص القصيبي وبحثتُ عن مقالاته وكتبه عند بعض الأقارب والجيران، وبعد بحث وقراءة لم أجد في كتابات القصيبي مما قاله المعلم شيئاّ، تمنيتُ وقتها لو أنني أملك الجرأة وأدعو المعلم للحوار والمناقشة.

ثم مرّت سنوات وسنوات؛ وقابلتُ المعلم في إحدى المناسبات؛ وطلب رقم الجوال للتواصل؛ وأصبح يرسل لي في الواتساب بشكل كبير ومملّ؛ ولم أكن مهتماً بتلك الرسائل، حتى أرسل لي ذات مرة مقولة مشهورة للقصيبي، هنا توقفتُ واسترجعتُ البرد في حصة الانتظار وذلك التحقيق، فأرسلتُ له أسأله عن مقولة القصيبي؛ فأثنى عليها وعلى صاحبها، هنا اتصلتُ به وذكّرته بتلك القصة؛ صمتَ قليلاً واسترجع وعبس وبسر؛ ثم قال لي: تلك أيامٌ خلت وأستغفر الله!

هب أنني وثقتُ بكلامه وقتها وأسلمتُ له فكري وفهمي! ونشرتُ ودافعتُ عن أقواله، على الأقل سيحرمني لذة الاستمتاع بجمال روايات وكتب القصيبي،

وسأكون ظالماً لنفسي ولمن سيثق بكلامي مستقبلاً، وسأتجرأ على تكفير القصيبي وغيره بلا شك، لكن المصيبة الكبرى أن تجد إلى الآن من يؤمن بتلك الأفكار ويروّج لها؛ ولو سألته عن واجبات وسنن الصلاة لم يستطع التفريق بينها!

رآني أحدهم في الطائرة أقرأ: الأسطورة لـ غازي القصيبي؛ فابتسم ساخراً وقال لي: لو تعلم ما أعلم عن القصيبي لما قرأتَ له حرفاً!

فابتسمتُ بكل ألمٍ وبكل شفقة وسخرية؛ فهذا الذي يرغب في نصيحتي لم يتجاوز العشرين من عمره وأرى في عينيه نظرات داعش ونهاية سيئة.