هذه الكلمة الجميلة كانت ولا تزال من أوائل الكلمات التي نسمعها في الصغر، وهي من الكلمات التي نقاوم معناها نفسيا لأنها ترمز لانتهاء الشيء... بل وتؤكد على أن المتبقي هو الصفر في أقوى أدواره. وبالرغم من محاولات ترسيخ مفهومها في عقولنا وقلوبنا من الصغر، إلا أن هناك شيئاً ما بداخلنا يرفضها بطرق عجيبة تعاند، وتصارع، وتنفي، حتى ولو كانت واضحة وصريحة أمام أعيننا. فضلا تأمل في عدد المرات التي حاولت أن تفتح بعض الأبواب وأنت تعلم أنها مغلقة.. وكم مرة حاولت التفاوض مع موظفي خطوط الطيران للحصول على مقعد على الطائرة بالرغم من وضوح عدم توفرها.. وكم مرة حاولت شراء وجبة بعد الأذان للصلاة.. كل هذه التصرفات تعكس مفهوم الرفض. ولكن هناك أمثلة أغرب وإليكم بعضا منها: انتهت الحرب العالمية الأولى رسميا في 11 نوفمبر 1911.. يعني في 11/‏11/‏11، في تمام الساعة الخامسة صباحا كانت الحرب قد انتهت رسميا بموجب ما تم الاتفاق عليه، والتوقيع، والمصادقة عليه.. صارت بحّـة.. ولكن لأسباب تأكيد نشر المعلومة، تم الاتفاق على أن يكون موعد وقف العمليات العسكرية الحقيقي هو الساعة الحادية عشرة صباحا يعني 11/‏11/‏11/‏11.. الأرقام ملعوبة.. الشاهد أنه خلال الساعات الست من توقيع الاتفاق إلى وقف إطلاق النار الفعلي شهدت ساحات المعارك بعضا من أغرب أنواع القسوة.. بدلا من تهدئة الأمور، والقبول بالسلام بعد الحرب التي كسرت ظهر أوروبا وتركت أكثر من 30 مليون قتيل، صعّدت العديد من القيادات العسكرية عملياتها الحربية لإحداث أكبر نسبة دمار. وشهدت ساحات المعارك بعضا من أشد العمليات العسكرية الفتاكة؛ وكأنهم يقولون كلها كام ساعة وسينتهي القتل، فلنغتنم الفرص ونقتل أكبر الأعداد.. وقد أذهلتني المقولة التالية من أحد القادة الأمريكيين على ساحة القتال «للأسف أنه لن نستطيع أن ندمر ألمانيا بالكامل.. وأن نقطع بعضا من أيادي شبابها.. ونسلخ رؤوس بعض من رجالهم العجائز». والقائد المعني اسمه «هاري إس ترومان».. وبعد الحرب ببضع سنوات أصبح الرئيس الأمريكي الـ33 للولايات المتحدة من أبريل 1945 إلى يناير 1953.. وإليكم المزيد من أمثلة القسوة: بالرغم من الصورة التي يسعى الكيان الصهيوني على تشكيلها وترسيخها عن قواتهم العسكرية، فإن «سفا هاجاناه لإسرائيل» أو جيش «الدفاع» الإسرائيلي قد ارتكب ولا يزال يرتكب الاختراقات اليومية للهدنة ووقف إطلاق النار، بل والقواعد الإنسانية الأساسية للتعامل مع المدنيين والعسكريين. وهناك آلاف الأمثلة على الضرب بعد إعلان الهدنة والسلام.. مذبحة دير ياسين كانت على يد الإرهابي «مناحيم بيجن»، الذي أصبح أحد رؤساء وزراء إسرائيل.. كانت ولا تزال تذكرنا بالحقد الدفين، فقد قتلت القوات الإسرائيلية عشرات المدنيين العزل بداخل بيوتهم، ولم تكن هناك أي مخاطر عليهم من الفلسطينيين الأبرياء الآمنين. وخلال العدوان الثلاثي عام 1956، عندما هاجمت إسرائيل القوات المصرية في سيناء في المسرحية الهزلية العسكرية المشتركة مع القوات البريطانية والفرنسية، كانت الخطة أن تتقدم سرية 101 بقيادة آريل شارون، الذي أصبح فيما بعد رئيسا لوزراء إسرائيل إلى «ممر متله» شرق قناة السويس بانتظار تدخل بريطانيا وفرنسا. ولكن الإسرائيليين لم يستطيعوا أن يقاوموا قتل الجنود المصريين الآمنين فانحرفوا عن خطتهم لتحقيق ذلك. وهناك أيضا مذبحة «قبية» في الضفة الغربية عام 1953، والتي قتل فيها آريل شارون وقواته عشرات المدنيين الفلسطينيين الآمنين في ديارهم. وهناك العديد من الأمثلة الأخرى على التمادي السافر المزمن.

أمنيـــــة

للأسف أن هناك من لا يعترف بكلمة «بحة» لا في الصغر ولا في الكبر.. بل ولا يعترفون بكلمات «بس» و«خلاص» و«استحي»، وبالتالي فلا يوجد لديهم روادع عن أي تصرفات مهما كانت غير لائقة منطقيا أو عسكريا أو سياسيا أو حتى إنسانيا. أتمنى أن نتذكر أن وطننا قد أصبح محاطا ببعض ممن لا يعترفون بالروادع المنطقية، والحضارية، والأخلاقية، والإنسانية.. ندعو الله أن يكفينا شرورهم، وهو من وراء القصد.