من يسكن إحدى المدن الكبرى كالرياض أو جدة محسود، لكن ليس على كبر عينه ولا على جماله، فالعيون الجميلة والجمال ليسا حكرا على من يسكن هاتين المدينتين، بل هم أكثر من يعاني من كثرة الغبار والرطوبة، وتصور إذا اجتمع الاثنان معا، طبعا يصير آخر «لغوصة»، إضافة إلى ذلك دخان المصانع وعوادم السيارات، كل تلك الأشياء الهباب مع زحمة السيارات والحفر وطول المسافات سببت لهم تشوها شكليا ونفسيا، إذن هم محسودون على إيه يا حبة عيني!.

طبعا في نظر الساكنين في المناطق البسيطة الجميلة لديهم مفهوم «اننا عايشين» آخر هناء، وما ناقصنا إلا أن نغني «يا حلاوة الدنيا يا حلاوة»، وأن أكلنا هو كافيار وبقلاوة. المهم أن كثيرا من ساكني تلك المدن لهم أقارب في جدة والرياض، خصوصا من الأفراد العسكريين الذين كتب عليهم العمل في إحداهما، فبكل بساطة يتصل أبو مزاحم على قريبه فليحان القاطن في جدة ويبشره بما «يشره» بضم الشين وفتح الراء، وهذا سيتضح معناها أكثر مع السياق، ويقول له: «أبشرك ترى حنا جايين والعائلة الكبيرة عندكم وما بنطول كلها، أسبوعين أو ثلاثة ونعود، زهب العشاء الليلة»، ويضيف: «وبعدين نتفق على البرنامج ويمكن نحتاج سيارتك عشان الولد يودي الربع الملاهي لأنني سأكون مشغولا ببعض الزيارات وأنت تعرف أن ربعنا واجد، وإن شاء الله نسوي لهم غداء ولّا عشاء بعد ما يرتاحوا الأولاد ويستانسوا، وما أبيك تكلف نفسك ترى ذبيحة تكفي الجميع».

ويرد فليحان: «مرحبا تراحيب المطر وإذا ما شالتكم الأرض تشيلكم عيوننا يقولها وهو يتحسس جيبه الموعود بالتهلكة».. ويقول في نفسه ليتني قلت جيوبنا بدل من عيوننا، ويصل الركب المظفر أبو زيد وعبلة وعنتر، وعينك ما تشوف إلا «المصروف» وهات يا طلبات، ناهيك عن احتلالهم معظم الغرف.

وبعد الاحتلال الغاشم للمنزل تصيح أم مزاحم وين معجون الأسنان؟ ويطلبون تحضيره بسرعة ولا داعي للفرشة، لأن الموجودة فيها بركة وتكفي الجميع، وطبعا أخونا راعي البيت رايح جاي ويجيب المقاضي والطلبات، ومن باب أنه ربما يعايرونه إذا رجعوا الديرة بالتقصير، كل ما خرج وعاد يقول بالله عليكم سامحونا على القصور، المهم تمضي الأسبوعان أو الثلاثة التي تمسي شهرين أو ثلاثة، ويغادر الضيفان بعد ما فضي جيب المضيف الغلبان، وجيب زوجته المنهكة التي انهد حيلها من الطبخ والنفخ، وهم خارجون ترتفع أيديهم يا الله مع السلامة ترى إن شاء الله جايينكم للحج والله راح توحشونا يا الربع.

وهم في الطريق يقول الزوج لزوجته: «شفتي الخسيس بعد الذبيحة الأولى ما عاد شفنا إلا بنات المؤذن (الدجاج)»، ردت عليه: «والله لأفضحه عند الربع هم يحسبونا ميتين على ضيافتهم»، أنا ما شفت ناس لؤماء مثلهم، والله ما انبسطنا، الناس بيتهم زي حُق الصلصة وغرفهم كما علبة الكبريت، فرد الزوج: «أزيدك من الشعر بيت، أزعجونا وهم يودودون في الصالة، ما خلونا ننوم أظنهم يحشون فينا ما يخافون الله، أقلك المرة الجاية ما نروح لهم بلغي أخوك إلّلي بالرياض»، وردت رياض مين نسيت اننا بنعود للحج، قال لها أجل الله يعيننا على الرطوبة والوجيه الودرة. وأما المضيف فيقول لبعلته: «عسى يا أم العيال تجملنا مع الضيفان، والله إني مع كل المعاناة وما تحملناه خايف من هرجهم ويفضحونا عند ربعنا وخايف المرة الجاية ما نتجمل»، فترد عليه: «اسمع يا فليحان المرة الجاية إن شاء الله نفرغ لهم صك البيت ونعود للديرة، ونجي ضيفان عندهم تراها أزين وأبرك»، رد: «جبتيها يا أم فليحان ما لها إلا كدا، وهم يتحدثون والجوال يرن ويرد فليحان وإذا مشعان بن فليطيح هو المتكلم، هلا يا فليحان ترانا بعد بكرة عندكم إن شاء الله»، قال يحسدوهم قال، «حتى على الهم لم أخل من الحسد».