قال الله عز وجل: «إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم»، وقال عز من قائل: «كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى»، وفي قصة قارون عظات وعبر، فقد آتاه الله المال ووسع له في الرزق، وأصبح ما يملكه من ثروة ينوء بحمل مفاتحها أصحاب القوة من الرجال، ولكنه بدل أن يحمد الله على ما آتاه من فضله، طغى وبغى على قومه، وآذاهم وظلمهم وأخضعهم لشهواته ونزواته، وسخّر أمواله في البغي واستخدم معهم ما أصبح يسمى في العصر الحديث بسياسة «العصا والجزرة»، فمن خضع له من قومه وتزلف وخنع أعطاه الجزرة، ومن حافظ على كرامته استخدم ضده الأموال وسلط عليه جماعته من الفسقة، فآذوه ونالوا منه، وإذا ذكَّره الناصحون بأنه في خير وسعة من الرزق، وأن عليه شكران النعمة، لوّى عنقه وصد عنهم، وقال لهم بصلف واستكبار: إنما أوتيته على علم، جاحداً فضل الله عليه، خارجاً على قومه بزينته، حتى هتف ضعاف الإيمان منهم، فقالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم، وكانت نهاية قارون أن خسف الله به وبداره الأرض حتى يكون عبرة لغيره، مؤكداً عز وجل في نهاية قصة قارون، أن العلو والاستكبار في الأرض عاقبته وخيمة في أي زمان وفي أي مكان حصل فيه ذلك العلو، واعداً الذين لا يبغون بحسن ثواب الآخرة «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين».

لقد كان في قصة قارون عبرة لأولي الألباب، ولكن غير أولي الألباب لا يدركون من الحوادث والقصص أي عبرة، لأنهم يمرون على آيات الله وهم عنها معرضون، وإذا حُذروا من بغيهم واستكبارهم فإن العزة بالإثم تأخذهم، ويعملون جاهدين من أجل قمع أي صوت لا يناسب ولا يدغدغ مناطق الغرور لديهم، مكتفين بسماع ما يحلو لهم من معسول الكلام ممن حولهم، وهكذا يظل أشباه قارون وبنوه في طغيانهم يعمهون، وقد لا يدركون فداحة بغيهم وقلة عقلهم حتى يلاقوا يومهم الذين كانوا يوعدون.

mohammed.ahmad568@gmail.com