عكاظ (جدة)

خيرا فعلت الخطوط السعودية بتشغيل مسار نابض بين جدة وبورتسودان السودانية، لنقل الركاب بمعدل 4 رحلات أسبوعيا، مما يعزز التواصل ويحقق المراد من وجود خط ملاحي يوفر الكثير من الجهد والعناء، وكذلك المصروفات في رحلات الذهاب والعودة على الأشقاء السودانيين.

وربما حان الوقت ليخلع ميناء جدة الإسلامي ردائه القديم، ويتحلى بحلة جديدة تواكب الرؤى المستقبلية، والتطلعات، وتراعي كافة المتغيرات، وتتناسب مع كل الأجواء، لينتهي عصر استقباله للركاب، ويتحول إلى ميناء جديد ينطلق للمستقبل، بثوب حديث، لا تعطله عنه خطوات المتقاعسين، ولا تمنعه رغبات المتخبطين.

ومن حق ميناء جدة أن يرتقي ويواكب العالم بحلم جديد، يتخلص فيه من معالم الذهاب والعودة، وحركة الحافلات القديمة التي تطل برأسها هنا وهناك، ويدخل مرحلة الحاويات ليتواصل مع الآخرين بمفهوم آخر مفاده التواصل الاقتصادي والمصلحة العليا للبلاد.

كثيرون قد لا يعرفون أن ميناء جدة، ظل حبيسا منذ عقود طويلة، في حركة عبور الركاب، التي من المؤكد أنها تقيده عن الإنطلاقة في تطوير قطاع الحاويات، لأنها حركة تختلف شكلا ومضمونا عن التعامل مع أي قطاع آخر، في ظل ما تحتاجه من تدابير بشرية، فيما استقبال وتوديع الحاويات يبرز فيها عنصر الميكنة، التي من خلالها تتباهى كثير من الدول بما وصت إليه من واجهة حضارية تتطلبها مرحلتها المستقبلية.

وقديما كان معدل استقبال الركاب في ميناء جدة يتعدى الـ 18 ألف راكب حاليا في موسم الحج، وهو العدد القادم من ميناء سواكن السوداني، إذ كان يستقبل الآلاف القادمين آنذاك من مصر ودول شتى، لكن سرعان ما أضاف مينائي ينبع وضباء في أقصى شمال المملكة، بعدا إضافيا في استقبالهما لحركة الركاب، ليرفع عن ميناء جدة عبئا يجب أن يرفع.

واليوم يحتم عنصر المنافسة وتنويع مصادر الدخل، استعدادا للمرحلة القادمة، النظر بعقلانية وقراءة متأنية لواقع الاستغلال الأمثل لميناء جدة، للاستفادة القصوى منه، ولا يمكن لأي اقتصادي يعرف قوانين الضرب والطرح العادية، دون لوغاريتمات المد والجزر، أن يوافق على اقتطاع جزء من ميناء جدة للاستغلال المقيد، كميناء ركاب، وما يخلفه من ضجة وارباك لواقع الشحن والتفريغ.

وما دام طيران الخطوط السعودية شكل بديلا لحركة القدوم والمغادرة، وفرد جناح تواصل طبيعي لا ينفصل مع الأشقاء السودانيين، فإن الواجب أن يتغير شكل الميناء، ليبقى حكرا على حركة الصادر والوراد المتمثلة في الحاويات، ويفرد جناحيه إلى العالم في ظل اتساع خطى الاقتصاد المنفتح على كافة الدول.

حتى إذا تأكدت الرغبة التركية (وفق ما جدد تأكيده اليوم الثلاثاء السفير التركي لدى الخرطوم عرفان نذير أوغلو)، في أن يصل حجاجهم إلى المملكة عبر سواكن السودانية بعدما يزورونها سياحيا، فإن الواقع الاقتصادي يؤكد أن الخطوط السعودية قادرة على التمدد لنقل عشرات الآلاف من الركاب سواء من الأشقاء السودانيين أو ضيوفهم الأتراك، مع الأخذ في الحسبان أن المجال الجوي للطائرات من غرب البحر الأحمر ربما يكون مزدحما بشتى أنواع خطوط الطيران، فتقتضي المصلحة العليا بتخصيص المسار للخطوط السعودية وحدها وهي تحقق الغرض من نقل الركاب.

حتى إذا افترضنا أن هناك خيارا أمام قوافل الرئيس التركي أردوغان، بالوصول بحرا، مراعاة لظروفهم، فإن المملكة بفضل من الله لديها فسحة من الموانئ متمثلة في ميناء ضباء المتسع، في الحيز المكاني والزماني، والذي يشكل انطلاقة مستقبلية لاستقبال الركاب على كافة جنسايتهم، ولعل في مصر أيضا فسحة من رحابة الصدر والنظرة المستقبلية، لتسيير قوافل حجاج البحر من ميناء سفاجا المواجه لميناء ضباء، فتتحقق الأجرة والأجر.

وفي إمكان حجاج أي دولة ترغب في الوصول بحرا، أن تأتي عبر ميناء ضباء، مما ينعكس إيجابا على الحركة الاقتصادية في منطقة تبوك الغالية التي طبع اسمها في التاريخ الإسلامي، في العصر النبوي الشريف، وما صحبه من فتوحات أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي فرصة لتمتد جسور السياحة الدينية ليعرف المسلمون أصالة تاريخهم، وخطى أجدادهم، فيتحقق المراد من رحلة العمر، خاصة أن مسار التاريخ الإسلامي لا يزيفه أحد، ولا يشكك فيه أو يتنازع فيه أحد.

نقولها صراحة في ضوء المصلحة العليا للبلاد، وفي ظل النجاحات التي حققها ميناء ضباء مع الحجاج أو المقيمين المصريين القادمين من سفاجا والغردقة، فإن ميناء جدة يستحق وسام التقدير على جهوده في الفترة الماضية، ولينتقل لواء استقبال الركاب إلى واحة تبوك، وهناك حتما سيعرف كل شخص فصلا جديدا في تاريخ الجزيرة العربية.